و على هذا فقوله:"ما عندي ما تستعجلون به"مستعمل استعمال الكناية كأنهم باقتراحهم إتيان آية أخرى غير القرآن كانوا يقترحون عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقضي بينه وبينهم ولعل هذا هو السر في تكرار لفظ الموصول والصلة في الآية التالية حيث يقول تعالى:"قل لو أن عندي ما تستعجلون به"وكان مقتضى ظاهر السياق أن يقال: لو أن عندي ذلك ، وذلك أنه أريد بقوله:"ما تستعجلون به"في الآية الأولى لازم الآية وهو القضاء بينه وبينهم على ما جرت به السنة الإلهية ، وفي الآية الثانية نفس الآية ، ومن المحتمل أيضا أن يكون أمر الكناية بالعكس من ذلك فيكون المراد بما تستعجلون به هو القضاء بالصراحة في الآية الأولى ، والآية بالتكنية في الآية الثانية.
وقوله:"يقص الحق وهو خير الفاصلين"قرأ عاصم ونافع وابن كثير من السبعة بالقاف والصاد المهملة من القص وهو قطع شيء وفصله من شيء ومنه قوله تعالى:"و قالت لأخته قصيه": القصص: 11 ، وقرأ الباقون بالقاف والضاد المعجمة من القضاء ، وقد حذف الياء من الرسم على حد قوله تعالى:"فما تغن النذر": القمر: 5 ولكن من القراءتين وجه ، ومآلهما من حيث المعنى واحد فإن قص الحق وفصله من الباطل لازم القضاء والحكم بالحق وإن كان قوله:"و هو خير الفاصلين"أنسب مع القص بمعنى الفصل.
وأما أخذ قوله"يقص الحق"من القص بمعنى الإخبار عن الشيء أو بمعنى تتبع الأثر على ما احتمله بعض المفسرين فمما لا يلائم المورد: أما الأول فلأن الله سبحانه وإن قص في كلامه كثيرا قصص الأنبياء وأممهم غير أن المقام خال عن ذلك فلا موجب لذكر هذا النعت له وتوصيفه تعالى به.
وأما الثاني فلأن محصل معناه أن سنته تعالى أن يتبع الحق ويقتفى أثره في تدبير مملكته وتنظيم أمور خليقته ، والله سبحانه وإن كان لا يحكم إلا الحق ولا يقضي إلا الحق إلا أن أدب القرآن الحكيم يأبى عن نسبة الاتباع والاقتفاء إليه تعالى ، وقد قال تعالى فيما قال:"الحق من ربك": آل عمران: 60 ولم يقل: الحق مع ربك ، لما في التعبير بالمعية من شائبة الاعتضاد والتأيد والإيهام إلى الضعف.
كلام في معنى حقيقة فعله وحكمه تعالى
فعله وحكمه تعالى نفس الحق لا مطابق للحق موافق له ، بيان ذلك أن الشيء إنما يكون حقا إذا كان ثابتا في الخارج واقعا في الأعيان من غير أن يختلقه وهم أو يصنعه ذهن كالإنسان الذي هو أحد الموجودات الخارجية والأرض التي يعيش عليها والنبات والحيوانات التي يغتذي بها ، والخبر إنما يكون حقا إذا طابق الواقع الثابت في نفسه مستقلا عن إدراكنا والحكم والقضاء إنما يكون حقا إذا وافق السنة الجارية في الكون فإذا أمر الآمر بشيء أو قضى القاضي بشيء فإنما يكون حكم هذا وقضاء ذاك حقا مطلقا إذا وافق المصلحة المطلقة المأخوذة من السنة الجارية في الكون ، ويكون حقا نسبيا إذا وافق المصلحة النسبية المأخوذة من سنة الكون بالنسبة إلى بعض أجزائه من غير نظر إلى النظام العام العالمي.
فإذا أمرنا آمر بالتزام العدل أو اجتناب الظلم فإنما يعد ذلك حقا لأن نظام الكون يهدي الأشياء إلى سعادتها وخيرها ، وقد قضى على الإنسان أن يعيش اجتماعيا ، وقضى على كل مجتمع مركب من أجزاء أن يتلاءم أجزاؤه ولا يزاحم بعضها بعضا ، ولا يفسد طرف منه طرفا ، حتى ينال ما قسم له من سعادة الوجود ، ويتوزع ذلك بين أجزائه المجتمعين ، فمصلحة هذا النوع المطلقة هي سعادته في الحياة ، ويطابقها الأمر بالعدل والنهي عن الظلم فكل منهما حكم حق ، ولا يطابقها الأمر بالظلم والنهي عن العدل فهما من الباطل ، والتوحيد حق لأنه يهدي إلى سعادة الإنسان في حياته الحقيقية ، والشرك باطل لأنه يجر الإنسان إلى شقاء مهلك وعذاب خالد.
وكذلك القضاء بين متخاصمين إنما يكون حقا إذا وافق الحكم المشروع المراعى فيه المصلحة الإنسانية المطلقة أو مصلحة قوم خاص أو أمة خاصة ، والمصلحة الحقيقية - كما عرفت - مأخوذة من السنة الجارية في الكون مطلقا أو نسبيا.