فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
و أما قراءة"يجعلونه"إلخ ، فالوجه أن تحمل على الالتفات مع إبقاء الخطاب في قوله"من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى"، وقوله:"و علمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم"لليهود.
وقد حاول بعضهم دفع الإشكالات الواردة على جعل الخطاب في الآية للمشركين مع تصحيح القراءتين جميعا فقال ما ملخصه: إن الآية نزلت في ضمن السورة بمكة كما قرأها ابن كثير وأبو عمرو - يجعلونه قراطيس بصيغة الغيبة - محتجة على مشركي مكة الذين أنكروا الوحي استبعادا لأن يخاطب الله البشر بشيء ، وقد اعترفوا بكتاب موسى وأرسلوا الوفد إلى أحبار اليهود مذعنين بأنهم أهل الكتاب الأول العالمون بأخبار الأنبياء.
فهو تعالى يقول لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) : قل لهؤلاء الذين ما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء كقولهم: أ بعث الله بشرا رسولا:"من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا"انقشعت به ظلمات الكفر والشرك الذي ورثته بنو إسرائيل عن المصريين"و هدى للناس"أي الذين أنزل عليهم بما علمهم من الأحكام والشرائع الإلهية فكانوا على النور والهدى إلى أن اختلفوا فيه ونسوا حظا مما ذكروا به فصاروا باتباع الأهواء"يجعلونه قراطيس يبدونها"فيما وافق"و يخفون كثيرا"مما لا يوافق أهواءهم.
قال: والظاهر أن الآية كانت تقرأ هكذا بمكة وكذا بالمدينة إلى أن أخفى أحبار اليهود حكم الرجم وكتموا بشارة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى أن قال بعضهم: ما أنزل الله على بشر من شيء كما قال المشركون من قبلهم - إن صحت الروايات بذلك - فعند ذلك كان غير مستبعد ولا مخل بالسياق أن يلقن الله تعالى رسوله أن يقرأ هذه الجمل بالمدينة على مسمع اليهود وغيرهم بالخطاب لليهود فيقول:"تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا"مع عدم نسخ القراءة الأولى.
قال: وبهذا الاحتمال المؤيد بما ذكر من الوقائع يتجه تفسير القراءتين بغير تكلف ما ، ويزول كل إشكال عرض للمفسرين في تفسيرهما ، انتهى كلامه ملخصا.
وأنت خبير بأن إشكال خطاب المشركين بما لا يعترفون به باق على حاله وكذا إشكال خطاب غير اليهود بقوله:"و علمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم"على ما أشرنا إليه ، وكذا تخصيصه قوله تعالى:"نورا وهدى للناس"باليهود فقط وكذا قوله إن اليهود قالوا في المدينة:"ما أنزل الله على بشر من شيء"كر على ما فر منه.
على أن قوله: إن الله لقن رسوله أن يقرأ الآية عليهم ويخاطبهم بقوله:"تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا"مما لا دليل عليه فإن أراد بهذا التلقين وحيا جديدا بالخطاب كالوحي الأول بالغيبة كانت الآية نازلة مرتين مرة في ضمن السورة وهي إحدى آياته ومرة في المدينة غير داخلة في آيات السورة ولا جزء منها ، وإن أراد بالتلقين غير الوحي بنزول جبرئيل بها لم تكن الآية آية ولا القراءة قراءة ، وإن أريد به أن الله فهم رسوله نوعا من التفهيم أن لفظ"تجعلونه قراطيس"إلخ ، النازل عليه في ضمن سورة الأنعام بمكة يسع الخطاب والغيبة جميعا وأن القراءتين جميعا صحيحتان مقصودتان كما ربما يقوله من ينهي القراءات المختلفة إلى قراءة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو القراءة عليه ونحوهما ففيه الالتزام بورود جميع الإشكال السابقة كما هو ظاهر.
واعلم أن هذه الأبحاث إنما تتأتى على تقدير كون الآية نازلة بمكة ، وأما على ما وقع في بعض الروايات من أن الآية نزلت بالمدينة فلا محل لأكثرها.
قوله تعالى:"و علمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم"المراد بهذا العلم الذي علموه ولم يكونوا يعلمونه هم ولا آباؤهم ليس هو العلم العادي بالنافع والضار في الحياة مما جهز الإنسان بالوسائل المؤدية إليه من حس وخيال وعقل فإن الكلام واقع في سياق الاحتجاج مربوط به ولا رابطة بين حصول العلوم العادية للإنسان من الطرق المودعة فيه وبين المدعى وهو أن من لوازم الألوهية أن تهدي الإنسان إلى سعادته وتنزل على بعض أفراده الوحي والكتاب.
وليس المراد بها أن الله أفاض عليكم العلم بأشياء ما كان لكم من أنفسكم أن تعلموا كما يفيده قوله تعالى:"و جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة": النحل: 78 وقوله:"الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم": العلق: 5 ، فإن السياق كما عرفت ينافي ذلك.