فهرس الكتاب

الصفحة 1485 من 4314

و من هنا يظهر أولا: أن الغرض في المقام متعلق بكون القرآن كتابا نازلا من عند الله تعالى دون من نزل عليه ، ولذا قال: كتاب أنزلناه ولم يقل أنزلناه إليك على خلاف موارد أخر كقوله تعالى:"كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته": ص: 29 وغيره وثانيا: أن الأوصاف المذكورة للكتاب بقوله: مبارك مصدق إلخ ، بمنزلة الأدلة على كونه نازلا من الله وليست بأدلة فمن أمارات أنه منزل من عند الله أنه مبارك أودع الله فيه البركة والخير الكثير يهدي الناس للتي هي أقوم ، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ، ينتفع به الناس في دنياهم باجتماع شملهم ، وقوة جمعهم ، ووحدة كلمتهم ، وزوال الشح من نفوسهم ، والضغائن من قلوبهم ، وفشوا الأمن والسلام ، ورغد عيشهم ، وطيب حياتهم وانجلاء الجهل وكل رذيلة عن ساحتهم ، واستظلالهم بمظلة سعادتهم ، وينتفعون به في أخراهم بالأجر العظيم والنعيم المقيم.

ولو لم يكن من عند الله سواء كان مختلفا من عند بشر كشبكة يغر بها الناس فيصطادون أو كان تزويقا نفسانيا أو إلقاء شيطانيا يخيل إلى الذي جاء به أنه وحي سماوي من عند الله وليس من عنده لم تستقر فيه ولا ترتب عليه هذه البركات الإلهية والخير الكثير فإن سبيل الشر لا يهدي سالكه إلا إلى الشر ولن ينتج فساد صلاحا ، وقد قال تعالى:"فإن الله لا يهدي من يضل": النحل: 37 وقال:"و الله لا يهدي القوم الفاسقين": الصف: 5 وقال:"و البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا": الأعراف: 58.

ومن أمارات أنه حق أنه مصدق لما بين يديه من الكتب السماوية الحقة النازلة من عند الله.

ومن أمارات ذلك أنه يفي بالغرض الإلهي من خلقه وهو أن يهديهم إلى سعادة حياتهم في الدنيا والآخرة بالإنذار بوسيلة الوحي المنزل من عنده ، وهذا هو الذي يدل عليه قوله:"و لتنذر أم القرى ومن حولها"فأم القرى هي مكة المشرفة ، والمراد أهلها بدليل قوله:"و من حولها"والمراد بما حولها سائر بلاد الأرض التي يحيط بها أو التي تجاورها كما قيل ، والكلام يدل على عناية إلهية بأم القرى وهي الحرم الإلهي منه بدىء بالدعوة وانتشرت الكلمة.

ومن هذا البيان يظهر: أن الأنسب بالسياق أن يكون قوله:"و لتنذر أم القرى"وخاصة على قراءة"لينذر"بصيغة الغيبة معطوفا على قوله:"مصدق"بما يشتمل عليه من معنى الغاية ، والتقدير: ليصدق ما بين يديه ولتنذر أم القرى على ما ذكره الزمخشري ، وقيل: إنه معطوف على قوله:"مبارك"والتقدير: أنزلناه لتنذر أم القرى ومن حولها.

قوله تعالى:"و الذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون"إلخ ، كأنه تفريع لما عده الله سبحانه من أوصاف هذا الكتاب الذي أنزله أي لما كان هذا الكتاب الذي أنزلناه مباركا ومصدقا لما بين يديه نازلا لغاية إنذار أهل الأرض فالمؤمنون بالآخرة يؤمنون به لأنه يدعو إلى أمن أخروي دائم ويحذرهم من عذاب خالد.

ثم عرف تعالى هؤلاء المؤمنين بالآخرة بما هو من أخص صفات المؤمنين وهو أنهم على صلاتهم وهي عبادتهم التي يذكرون فيها ربهم يحافظون ، وهذه هي الصفة التي ختم الله به صفات المؤمنين التي وصفهم بها في أول سورة المؤمنين إذ قال:"الذين هم على صلواتهم يحافظون": المؤمنون: 9 ، كما بدأ بمعناها في أولها فقال"الذين هم في صلاتهم خاشعون": المؤمنون: 2.

وهذا هو الذي يؤيد أن المراد بالمحافظة في هذه الآية هو الخشوع في الصلاة وهو نحو تذلل وتأثر باطني عن العظمة الإلهية عند الانتصاب في مقام العبودية لكن المعروف من تفسيره أن المراد بالمحافظة على الصلاة المحافظة على وقتها.

كلام في معنى البركة في القرآن

ذكر الراغب في المفردات ،: أن أصل البرك - بفتح الباء - صدر البعير وإن استعمل في غيره ويقال له بركة - بكسر الباء - وبرك البعير ألقى ركبه ، واعتبر منه معنى الملزوم فقيل: ابتركوا في الحرب أي ثبتوا ولازموا موضع الحرب ، وبراكاء الحرب وبروكاؤها للمكان الذي يلزمه الأبطال ، وابتركت الدابة وقفت وقوفا كالبروك ، وسمي محبس الماء بركة ، والبركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء ، قال تعالى: لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ، وسمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة ، والمبارك ما فيه ذلك الخير ، على ذلك: هذا ذكر مبارك أنزلناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت