فهرس الكتاب

الصفحة 1487 من 4314

و افتراء الكذب على الله سبحانه وهو أول المظالم المعدودة وإن كان أعم بالنسبة إلى دعوى الوحي إذا لم يوح إليه وهو ثاني المظالم المعدودة ، ولذا قيل: إن ذكر الثاني بعد الأول من باب ذكر الخاص بعد العام اعتناء بشأن الوحي وإعظاما لأمره ، لكن التأمل في سياق الكلام ووجهه إلى المشركين يعطي أن المراد بالافتراء المذكور هو اتخاذ الشريك لله سبحانه ، وإنما لم يصرح بذلك ليرتفع به غائلة ذكر الخاص بعد العام لأن الغرض في المقام - كما تقدم - هو الدعوة إلى الأخذ بالنصفة والتجافي عن عصبية الجاهلية فلم يصرح بالمقصود وإنما أبهم إبهاما لئلا يتحرك بذلك عرق العصبية ولا يتنبه داعي النخوة.

فقوله:"ممن افترى على الله كذبا"وقوله:"أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه"متباينان من حيث المراد وإن كانا بحسب ظاهر ما يتراءى منهما أعم وأخص.

ويدل على ما ذكرنا ما في ذيل الآية من حديث التهديد بالعذاب والسؤال عن الشركاء والشفعاء.

وأما ما قيل: إن قوله:"أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء"نزل في مسيلمة حيث ادعى النبوة فسياق الآيات كما عرفت لا يلائمه بل ظاهره أن المراد به نفسه وإن كان الكلام مع الغض عن ذلك أعم.

على أن سورة الأنعام مكية ودعواه النبوة من الحوادث التي وقعت بعد الهجرة إلا أن هؤلاء يرون أن الآية مدنية غير مكية وسيأتي الكلام في ذلك في البحث الروائي التالي إن شاء الله.

وأما قوله:"و من قال سأنزل مثل ما أنزل الله"فظاهره أنه حكاية قول واقع ، وأن هناك من قال: سأنزل مثل ما أنزل الله ، وأنه إنما قاله استهزاء بالقرآن الكريم حيث نسبه إلى الله سبحانه بالنزول ثم وعد الناس مثله بالإنزال ، ولم يقل: سأقول مثل ما قاله محمد أو سآتيكم بمثل ما أتاكم به.

ولذا ذكر بعض المفسرين أنه إشارة إلى قول من قال من المشركين:"لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين".

وقال آخرون: إن الآية إشارة إلى قول عبد الله بن سعد بن أبي سرح: إني أنزل مثل ما أنزل الله والآية مدنية ، ومنهم من قال غير ذلك كما سيجيء إن شاء الله في البحث الروائي ، والآية ليست ظاهرة الانطباق على شيء من ذلك فإنها تتضمن الوعد بأمر مستقبل ، وقولهم: لو نشاء لقلنا"إلخ"كلام مشروط وكذا قول عبد الله - إن صحت الرواية - إخبار عن أمر حالي جار واقع.

وكيف كان فقوله:"و من قال سأنزل مثل ما أنزل الله"يحكي قولا قاله بعض المشركين من العرب استكبارا على آيات الله ، وإنما كرر فيه الموصول أعني قوله:"من"ولم يتكرر في قوله:"أو قال أوحي إلي""إلخ"لأن المظالم المعدودة وإن كانت ثلاثة لكنها من نظرة أخرى قسمان فالأول والثاني من الظلم في جنب الله في صورة الخضوع لجانبه والانقياد لأمره ، والثالث من الظلم في صورة الاستعلاء عليه والاستكبار عن آياته.

قوله تعالى:"و لو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت"إلى آخر الآية ، الغمر أصله ستر الشيء وإزالة أثره ولذا يطلق الغمرة على الماء الكثير الساتر لما تحته ، وعلى الجهل المطبق ، وعلى الشدة التي تحيط بصاحبها والغمرات الشدائد ، ومنه قوله تعالى:"في غمرات الموت"، والهون والهوان الذلة.

وبسط اليد معناه واضح غير أن المراد به معنى كنائي ، ويختلف باختلاف الموارد فبسط الغني يده جوده بماله وإحسانه لمن يستحقه ، وبسط الملك يده إدارته أمور مملكته من غير أن يزاحمه مزاحم وبسط المأمور الغليظ الشديد يده على المجرم المأخوذ به هو نكاله وإيذاؤه بضرب وزجر ونحوه.

فبسط الملائكة أيديهم هو شروعهم بتعذيب الظالمين ، وظاهر السياق أن الذي تفعله الملائكة بهؤلاء الظالمين هو الذي يترجم عنه قوله:"أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون"إلخ ، فهذه الجمل محكية عن الملائكة لا من قول الله سبحانه ، والتقدير: يقول الملائكة لهم أخرجوا أنفسكم"إلخ"فهم يعذبونهم بقبض أرواحهم قبضا يذوقون به أليم العذاب وهذا عذابهم حين الموت ولما ينتقلوا من الدنيا إلى ما وراءها ولهم عذاب بعد ذلك ولما تقم عليهم القيامة كما يشير إليه قوله تعالى:"و من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون": المؤمنون: 100.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت