و ثانيا: أن تكرار لفظ الشهادة إنما هو لاختلاف متعلقها فالمراد بالشهادة الأولى الشهادة بإتيان الرسل وقصهم آيات الله وإنذارهم بيوم القيامة ، وبالشهادة الثانية الشهادة بكفرهم بما جاء به الرسل من غير غفلة.
وأما ما قيل: إن المراد بالشهادة الأولى الشهادة بالكفر والمعصية حال التكليف ، وبالثانية الشهادة في الآخرة على كونهم كافرين في الدنيا فهو غير مفيد لأن الشهادتين بالأخرة راجعتان إلى شهادة واحدة بالكفر في الدنيا فيبقى تكرار اللفظ على حاجته إلى وجه يقتضيه.
وثالثا: أن قوله:"و غرتهم الحياة الدنيا"معترضة وضعت ليندفع بها ما يمكن أن يختلج ببال السامع وهو أنهم إذ كانوا يستمتع بعضهم من بعض ، وكانوا غير غافلين عن إتيان الرسل وبيانهم الآيات وإنذارهم باليوم الآخر فما بالهم وردوا مورد التهلكة وأهلكوا أنفسهم عن علم واختيار؟ فأجيب بأن الحياة الدنيا غرتهم كلما لاح لقلوبهم شيء من الحق وبرقت فيها بارقة من الخير هجمت عليهم الأهواء وأسدلت عليهم ظلمات الرذائل حتى ضربت حجابا بينهم وبين الحق وأعمت أبصارهم عن رؤيته ومشاهدته.
قوله تعالى:"ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون"الإشارة بقوله:"ذلك"إلى مضمون ما تقدم من البيان - على ما يعطيه السياق - وقوله:"أن لم يكن"بتقدير لام التعليل فالمعنى أن الذي بيناه من إرسال الرسل والتذكير بالآيات والإنذار بيوم القيامة إنما هو لأن الله سبحانه ليس من سنته أن يهلك أهل القرى ويوردهم مورد السخط والعذاب وهم غافلون عما يريده منهم من الطاعة ويفعله بهم على تقدير المخالفة ، وذلك ظلم منه تعالى.
فهم وإن نزلوا منزل الشقاء بتأجيل الله سبحانه وقضائه وجعله بعضهم أولياء بعض لكنه تعالى لم يسلبهم القدرة على الطاعة ولم يبطل منهم الاختيار فاختاروا الشرك والمعصية ثم أرسل إليهم رسلا منهم يقصون عليهم آياته وينذرونهم لقاء يوم الحساب فكفروا بهم ومكثوا على بغيهم وعتوهم فجزاهم بولاية بعضهم بعضا وقضى عليهم بأن النار مثواهم فهم أنفسهم استدعوا الهلاك عن علم وإرادة ، ولم يهلكهم الله وهم غافلون حتى يكون يظلمهم فهو الحكم العدل تبارك اسمه.
وقد بان بذلك أولا: أن المراد بقوله:"لم يكن ربك"نفي أن يكون ذلك من سنته تعالى فإنه تعالى لا يفعل شيئا إلا بسنة جارية وصراط مستقيم ، قال تعالى:"إن ربي على صراط مستقيم": هود: 56 وفي اللفظ دلالة على ذلك.
وثانيا: أن المراد بإهلاك القرى القضاء بشقائهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة على ما يفيده السياق دون الهلاك بإنزال العذاب في الدنيا.
وثالثا: أن المراد بالظلم في الآية هو الظلم منه تعالى لو أهلكهم وهم غافلون دون الظلم من أهل القرى.
قوله تعالى:"و لكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون"متعلق الكل محذوف وهو الضمير الراجع إلى الطائفتين ، والمعنى: ولكل طائفة من طائفتي الجن والإنس درجات من أعمالهم فإن الأعمال مختلفة وباختلافها يختلف ما توجبه من الدرجات ، وما ربك بغافل عن أعمالهم.
قوله تعالى:"و ربك الغني ذو الرحمة"إلى آخر الآية.
بيان عام لنفي الظلم عنه تعالى في الخلقة.
وتوضيحه: أن الظلم وهو وضع الشيء في غير موضعه الذي ينبغي أن يوضع عليه وبعبارة أخرى إبطال حق إنما يتحقق من الظلم بأخذ شيء أو تركه لأحد أمرين إما لحاجة منه إليه بوجه من الوجوه كأن يعود إليه أو إلى من يهواه منه نفع أو يندفع عنه أو عما يعود إليه بذلك ضرر ، وإما لا لحاجة منه إليه بل لشقوة باطنية وقسوة نفسانية لا يعبأ بها بما يقاسيه المظلوم من المصيبة ويكابده من المحنة ، وليس ذلك منه لحاجة بل من آثار الملكة المشومة.
والله سبحانه منزه من هاتين الصفتين السيئتين فهو الغني الذي لا تمسه حاجة ولا يعرضه فقر ، وذو الرحمة المطلقة التي ينعم بها على كل شيء بما يليق بحاله فلا يظلم سبحانه أحدا ، وهذا هو الذي يدل عليه قوله:"و ربك الغني ذو الرحمة"إلخ ، ومعنى الآية: وربك هو الذي يوصف بالغني المطلق الذي لا فقر معه ولا حاجة ، وبالرحمة المطلقة التي وسعت كل شيء ومقتضى ذلك أنه قادر على أن يذهبكم بغناه ويستخلف من بعدكم ما يشاء من الخلق برحمته والشاهد عليه أنه أنشأكم برحمته من ذرية قوم آخرين أذهبهم بغناه عنهم.