فهرس الكتاب

الصفحة 1558 من 4314

و ربما قيل: إن الوزن مبتدأ وخبره يومئذ والحق صفة الوزن ، والتقدير: والوزن الحق إنما هو في يوم القيامة ، وقال في الكشاف ،: ورفعه يعني الوزن على الابتداء وخبره يومئذ ، والحق صفته أي والوزن يوم يسأل الله الأمم ورسلهم الوزن الحق أي العدل انتهى وهو غريب إلا أن يوجه بحمل قوله: الوزن الحق"إلخ"على الاستئناف.

وقوله تعالى:"فمن ثقلت موازينه"الموازين جمع ميزان على ما تقدم من البيان ويؤيده الآية المذكورة آنفا:"و نضع الموازين القسط ليوم القيامة"والأنسب بما ذكره القوم في معنى قوله:"و الوزن يومئذ الحق"أن يكون جمع موزون وهو العمل وإن أمكن أن يجعل جمع ميزان ويوجه تعدد الموازين بتعدد الأعمال الموزونة بها.

لكن يبقى الكلام على قول المفسرين: إن الوزن الحق هو العدل في تصوير معنى ثقل الموازين بالحسنات وخفتها بالسيئات فإن فيما يوزن به الأعمال حسناتها وسيئاتها خفاء ، والقسط وهو العدل صفة للتوزين وهو نعت لله سبحانه على ما يظهر من قوله"و نضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين": الأنبياء: 47 ، فإن ظاهر قوله:"فلا تظلم"، إلخ إن الله لا يظلمهم فالقسط قسطه وعدله فليس القسط هو الميزان يومئذ بل وضع الموازين هو وضع العدل يومئذ ، فافهم ذلك.

وهذا هو الذي بعثهم على أن فسروا ثقل الموازين برجحانها بنوع من التجوز فالمراد بثقل الموازين رجحان الأعمال بكونها حسنات وخفتها مرجوحيتها بكونها سيئات ومعنى الآية: والوزن يومئذ العدل أي الترجيح بالعدل فمن رجحت أعماله لغلبة الحسنات فأولئك هم المفلحون ، ومن لم يترجح أعماله لغلبة سيئاته فأولئك الذين خسروا أنفسهم أي ذهبت رأس مالهم الذي هو أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون لتكذيبهم بها.

ويعود الكلام حينئذ إلى الملاك الذي به تترجح الحسنة على السيئة وسيما إذا اختلطت الأعمال واجتمعت حسنات وسيئات ، والحسنات والسيئات مختلفة كبرا وصغرا فيما هو الملاك الذي يعلم به غلبة أحد القبيلين على الآخر؟ فإخباره تعالى بأن أمر الوزن جار على العدل يدل على جريانه بحيث تتم به الحجة يومئذ على العباد فلا محالة هناك أمر تشتمل عليه الحسنة دون السيئة ، وبه الترجيح ، وبه يعلم غلبة الثقيل على الخفيف والحسنة على السيئة إذا اجتمعت من كل منهما عدد مع الأخرى وإلا لزم القول بالجزاف البتة.

وهذا كله مما يؤيد ما قدمناه من الاحتمال ، وهو أن يكون توزين الأعمال بالحق ، وهو التوزين العادل فمن ثقلت موازينه باشتمال أعماله على الحق فأولئك هم المفلحون ، ومن خفت موازينه لعدم اشتمال أعماله على الحق الواجب في العبودية فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون بتكذيبهم بها وعدم تزودهم بما يعيشون به هذا اليوم فقد أهلكوا أنفسهم بما أحلوها دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار.

فقد تبين بما قدمناه أولا: أن الوزن يوم القيامة هو تطبيق الأعمال على ما هو الحق فيها ، وبقدر اشتمالها عليه تستعقب الثواب وإن لم تشتمل فهو الهلاك ، وهذا التوزين هو العدل ، والكلام في الآيات جار على ظاهره من غير تأويل.

وقيل: إن المراد بالوزن هو العدل ، وثقل الميزان هو رجحان العمل فالكلام موضوع على نحو من الاستعارة ، وقد تقدم.

وقيل: إن الله ينصب يوم القيامة ميزانا له لسان وكفتان فتوزن به أعمال العباد من الحسنات والسيئات ، وقد اختلف هؤلاء في كيفية توزين الأعمال ، وهي أعمال انعدمت بصدورها ، ولا يجوز إعادة المعدوم من الأعراض عندهم ، على أنها لا وزن لها ، فقيل: إنما توزن صحائف الأعمال لا أنفسها ، وقيل: تظهر للأعمال من حسناتها وسيئاتها آثار وعلائم خاصة بها فتوزن العلامات بمشهد من الناس ، وقيل: تظهر الحسنات في صور حسنة والسيئات في صور قبيحة منكرة فتوزن الصور ، وقيل توزن نفس المؤمن والكافر دون أعمالهما من حسنة أو سيئة ، وقيل: الوزن ظهور قدر الإنسان ، وثقل الميزان كرامته وعظم قدره ، وخفة الميزان هوانه وذلته.

وهذه الأقوال على تشتتها لا تعتمد على حجة من ألفاظ الآيات ، وهي جميعا لا تخلو عن بناء الوزن الموصوف على الجزاف لأن الحجة لا تتم بذلك على العبد ، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت