أقول: وفي الرواية تأييد ما قدمناه في تفسير الوزن ، ومن ألطف ما فيها قوله (عليه السلام) "و إنما هي صفة ما عملوا"يشير (عليه السلام) إلى أن ليس المراد بالأعمال في هذه الأبواب هو الحركات الطبيعية الصادرة عن الإنسان لاشتراكها بين الطاعة والمعصية بل الصفات الطارئة عليها التي تعتبر لها بالنظر إلى السنن والقوانين الاجتماعية أو الدينية مثل الحركات الخاصة التي تسمى وقاعا بالنظر إلى طبيعة نفسها ثم تسمى نكاحا إذا وافقت السنة الاجتماعية أو الإذن الشرعي ، وتسمى زنا إذا لم توافق ذلك ، وطبيعة الحركات الصادرة واحدة ، وقد استدل (عليه السلام) لما ذكره من طريقين: أحدهما: أن الأعمال صفات لا وزن لها والثاني: أن الله سبحانه لا يحتاج إلى توزين الأشياء لعدم اتصافه بالجهل تعالى شأنه.
قال بعضهم: إنه بناء على ما هو الحق من تجسم الأعمال في الآخرة ، وإمكان تأثير حسن العمل ثقلا فيه ، وكون الحكمة في الوزن تهويل العاصي وتفضيحه وتبشير المطيع وازدياد فرحه وإظهار غاية العدل ، وفي الرواية وجوه من الإشكال فلا بد من تأويلها إن أمكن وإلا فطرحها أو حملها على التقية ، انتهى.
أقول: قد تقدم البحث عن معنى تجسم الأعمال وليس من الممتنع أن يتمثل الأعمال عند الحساب ، والعدل الإلهي القاضي فيها في صورة ميزان توزن به أمتعة الأعمال وسلعها لكن الرواية لا تنفي ذلك وإنما تنفي كون الأعمال أجساما دنيوية محكومة بالجاذبية الأرضية التي تظهر فيها في صورة الثقل والخفة ، أولا.
والإشكال مبني على كون كيفية الوزن بوضع الحسنات في كفة من الميزان.
والسيئات في كفة أخرى ثم الوزن والقياس ، وقد عرفت: أن الآية بمعزل عن الدلالة على ذلك أصلا ، ثانيا.
وفي التوحيد ، بإسناده عن أبي معمر السعداني عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث قال: وأما قوله:"فمن ثقلت موازينه وخفت موازينه"فإنما يعني: الحسنات توزن الحسنات والسسيئات فالحسنات ثقل الميزان والسيئات خفة الميزان.
أقول: وتأييده ما تقدم ظاهر فإنه يأخذ المقياس هو الحسنة وهي لا محالة واحدة يمكن أن يقاس بها غيرها ، وليست إلا حق العمل.
وفي المعاني ، بإسناده عن المنقري عن هشام بن سالم قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل:"و نضع الموازين القسط ليوم القيامة - فلا تظلم نفس شيئا"قال: هم الأنبياء والأوصياء: . أقول: ورواه في الكافي ، عن أحمد بن محمد عن إبراهيم الهمداني رفعه إليه (عليه السلام) ، ومعنى الحديث ظاهر بما قدمناه فإن المقياس هو حق العمل والاعتقاد ، وهو الذي عندهم (عليهم السلام) .
وفي الكافي ، بإسناده عن سعيد بن المسيب عن علي بن الحسين (عليهما السلام) فيما كان يعظ به قال: ثم رجع القول من الله في الكتاب على أهل المعاصي والذنوب ، فقال عز وجل:"و لئن مستهم نفحة من عذاب ربك - ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين"فإن قلتم أيها الناس إن الله عز وجل إنما عنى بها أهل الشرك فكيف ذلك؟ وهو يقول: ونضع الموازين القسط ليوم القيامة - فلا تظلم نفس شيئا - وإن كانت مثقال حبة من خردل أتينا بها - وكفى بنا حاسبين فاعلموا عباد الله أن أهل الشرك لا تنصب لهم الموازين ولا تنشر لهم الدواوين وإنما يحشرون إلى جهنم زمرا ، وإنما نصب الموازين ونشر الدواوين لأهل الإسلام ، الخبر.
أقول: يشير (عليه السلام) إلى قوله تعالى:"فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا"الآية.
وفي تفسير القمي ، في قوله:"و الوزن يومئذ الحق"الآية قال (عليه السلام) : المجازاة بالأعمال إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا.
أقول: وهو تفسير بالنتيجة.
وفيه ، في قوله تعالى:"بما كانوا بآياتنا يظلمون"قال (عليه السلام) : بالأئمة يجحدون.
أقول: وهو من قبيل ذكر بعض المصاديق ، وفي المعاني المتقدمة روايات أخر.