و يظهر من الآيات أن له جندا يعينونه فيما يأمر به ويساعدونه على ما يريد وهو القبيل الذي ذكر في الآية السابقة:"إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم"وهؤلاء وإن بلغوا من كثرة العدد وتفنن العمل ما بلغوا فإنما صنعهم صنع نفس إبليس ووسوستهم نفس وسوسته كما يدل عليه قوله:"لأغوينهم أجمعين": الحجر: 39 ، وغيره مما حكته الآيات نظير ما يأتي به أعوان الملائكة العظام من الأعمال فتنسب إلى رئيسهم المستعمل لهم في ما يريده ، قال تعالى في ملك الموت:"قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم": السجدة: 11 ، ثم قال:"حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون": الأنعام 61 إلى غير ذلك.
وتدل الآية:"الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس": الناس: 6 على أن في جنده اختلافا من حيث كون بعضهم من الجنة وبعضهم من الإنس ويدل قوله:"أ فتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو": الكهف: 50 ، أن له ذرية هم من أعوانه وجنوده لكن لم يفصل كيفية انتشاء ذريته منه.
كما أن هناك نوعا آخر من الاختلاف يدل عليه قوله:"و أجلب عليهم بخيلك ورجلك"في الآية المتقدمة ، وهو الاختلاف من جهة الشدة والضعف وسرعة العمل وبطئه فإن الفارق بين الخيل والرجل هو السرعة في اللحوق والإدراك وعدمها.
وهناك نوع آخر من الاختلاف في العمل ، وهو الاجتماع عليه والانفراد كما يدل عليه أيضا قوله تعالى:"و قل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون": المؤمنون: 98 ، ولعل قوله تعالى:"هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون": الشعراء: 223 من هذا الباب.
فملخص البحث: أن إبليس لعنه الله موجود مخلوق ذو شعور وإرادة يدعو إلى الشر ويسوق إلى المعصية كان في مرتبة مشتركة مع الملائكة غير متميز منهم إلا بعد خلق الإنسان وحينئذ تميز منهم ووقع في جانب الشر والفساد ، وإليه يستند نوعا من الاستناد انحراف الإنسان عن الصراط المستقيم وميله إلى جانب الشقاء والضلال ، ووقوعه في المعصية والباطل كما أن الملك موجود مخلوق ذو إدراك وإرادة إليه يستند نوعا من الاستناد اهتداء الإنسان إلى غاية السعادة ومنزل الكمال والقرب ، وأن لإبليس أعوانا من الجن والإنس وذرية مختلفي الأنواع يجرون بأمره إياهم أن يتصرفوا في جميع ما يرتبط به الإنسان من الدنيا وما فيها بإظهار الباطل في صورة الحق ، وتزيين القبيح في صورة الحسن الجميل.
وهم يتصرفون في قلب الإنسان وفي بدنه وفي سائر شئون الحياة الدنيا من أموال وبنين وغير ذلك بتصرفات مختلفة اجتماعا وانفرادا ، وسرعة وبطءا ، وبلا واسطة ومع الواسطة والواسطة ربما كانت خيرا أو شرا وطاعة أو معصية.
ولا يشعر الإنسان في شيء من ذلك بهم ولا أعمالهم بل لا يشعر إلا بنفسه ولا يقع بصره إلا بعمله فلا أفعالهم مزاحمة لأعمال الإنسان ولا ذواتهم وأعيانهم في عرض وجود الإنسان غير أن الله سبحانه أخبرنا أن إبليس من الجن وأنهم مخلوقون من النار ، وكأن أول وجوده وآخره مختلفان.