و أما الشبهة الرابعة: فقوله"لما ذا لعنني وأوجب عقابي بعد المعصية ولا فائدة له فيه؟ إلخ".
جوابه أن اللعن والعقاب أعني ما يشتملان عليه من الحقيقة من لوازم الاستكبار على الله الذي هو الأصل المولد لكل معصية ، وليس الفعل الإلهي مما يجر إليه نفعا أو فائدة حتى يمتنع فيما لا نفع فيه يعود إليه كما تقدمت الإشارة إليه.
وليس قوله هذا إلا كقول من يقول فيمن استقى سما وشربه فهلك به: لم لم يجعله الله شفاء وليس له في إماتته به نفع وله فيه أعظم الضرر؟ هلا جعله رزقا طيبا للمسموم يرفع عطشه وينمو به بدنه؟ فهذا كله من الجهل بمواقع العلل والأسباب التي أثبتها الله في عالم الصنع والإيجاد فكل حادث من حوادث الكون يرتبط إلى علل وعوامل خاصة من غير تخلف واختلاف قانونا كليا.
فالمعصية إنما تستتبع العقاب على النفس المتقذرة بها إلا أن تتطهر بشفاعة أو توبة أو حسنة تستدعي المغفرة ، وإبطال العقاب من غير وجود شيء من أسبابه هدم لقانون العلية العام ، وفي انهدامه انهدام كل شيء.
وأما الشبهة الخامسة: أعني قوله"إنه لما فعل ذلك لم سلطني على أولاده ومكنني من إغوائهم وإضلالهم؟"فقد ظهر جوابه مما تقدم فإن الهدى والحق العملي والطاعة وأمثالها إنما تتحقق مع تحقق الضلال والباطل والمعصية وأمثالها ، والدعوة إلى الحق إنما تتم إذا كان هناك دعوة إلى باطل ، والصراط المستقيم إنما يكون صراطا لو كان هناك سبل غير مستقيمة تسلك بسالكها إلى غاية غير غايته.
فمن الضروري أن يكون هناك داع إلى الباطل يهدي إلى عذاب السعير ما دامت النشأة الإنسانية قائمة على ساقها ، والإنسانية محفوظة ببقائها النوعي بتعاقب أفرادها فوجود إبليس من خدم النوع الإنساني ، ولم يمكنه الله منهم ولا سلطه عليهم إلا بمقدار الدعوة كما صرح به القرآن الكريم وحكاه عنه نفسه فيما يخاطب به الناس يوم القيامة.
وأما الشبهة السادسة: فأما قوله"لما استمهلته المدة الطويلة في ذلك فلم أمهلني؟"فقد ظهر جوابه مما تقدم آنفا.
وأما قوله:"و معلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا"فقد عرفت أن معنى كون العالم خاليا من الشر مأمونا من الفساد كونه مجردا غير مادي ، ولا معنى محصل لعالم مادي يوجد فيه الفعل من غير قوة والخير من غير شر والنفع من غير ضر والثبات من غير تغير والطاعة من غير معصية والثواب من غير عقاب.
وأما ما ذكره من جوابه تعالى عن شبهات إبليس بقوله:"يا إبليس أنت ما عرفتني ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض علي في شيء من أفعالي فإني أنا الله الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل"فجواب يوافق ما في التنزيل الكريم ، قال تعالى:"لا يسأل عما يفعل وهم يسألون": الأنبياء: 23.
وظاهر المنقول من قوله تعالى أنه جواب إجمالي عن شبهاته لعنه الله لا جواب تفصيلي عن كل واحد واحد ، ومحصله: أن هذه الشبهات جميعا سؤال واعتراض عليه تعالى: ولا يتوجه إليه اعتراض لأنه الله لا إله إلا هو لا يسأل عما يفعل.
وظاهر قوله تعالى أن قوله"لا يسأل"متفرع على قوله:"فإني"إلخ ، فمفاد الكلام أن الله تعالى لما كان بآنيته الثابتة بذاته الغنية لذاته هو الإله المبدىء المعيد الذي يبتدىء منه كل شيء وينتهي إليه كل شيء فلا يتعلق في فعل يفعله بسبب فاعلي آخر دونه ، ولا يحكم عليه سبب غائي آخر يبعثه نحو الفعل بل هو الفاعل فوق كل فاعل ، والغاية وراء كل غاية فكل فاعل يفعل بقوة فيه وإن القوة لله جميعا ، وكل غاية إنما تقصد وتطلب لكمال ما فيه وخير ما عنده وبيده الخير كله.
ويتفرع عليه أنه تعالى لا يسأل في فعله عن السبب فإن سبب الفعل إما فاعل وإما غاية وهو فاعل كل فاعل وغاية كل غاية ، وأما غيره تعالى فلما كان ما عنده من قوة الفعل موهوبا له من عند الله ، وما يكتسبه من جهة الخير والمصلحة بإفاضة منه تعالى بتسبيب الأسباب وتنظيم العوامل والشرائط فإنه مسئول عن فعله لم فعله؟ وأكثر ما يسأل عنه إنما هو الغاية وجهة الخير والمصلحة ، وخاصة في الأفعال التي يجري فيه الحسن والقبح والمدح والذم من الأفعال الاجتماعية في ظرف الاجتماع فإنها المتكئة على مصالحه ، فهذا بيان تام يتوافق فيه البرهان والوحي.