فكون زيد رئيسا لغرض الاجتماع ككونه أسدا بالتشبيه والاستعارة لغرض التخيل الشعري ، وتوصيفنا في مجتمعنا زيدا بأنه رأس في الخارج كتوصيف الشاعر زيدا بأنه أسد خارجي ، وعلى هذا القياس جميع المعاني الاعتبارية من تصور أو تصديق وهذه المعاني الاعتبارية وإن كانت من عمل الذهن من غير أن تكون مأخوذة من الخارج فتعتمد عليه بالانطباق إلا أنها معتمدة على الخارج من جهة أخرى وذلك أن نقص الإنسان مثلا وحاجته إلى كماله الوجودي ونيله غاية النوع الإنساني هو الذي اضطره إلى اعتباره هذه المعاني تصورا وتصديقا فإبقاء الوجود والمقاصد الحقيقية المادية أو الروحية التي يقصدها الإنسان ويبتغيها في حياته هي التي توجب له أن يعتبر هذه المعاني ثم يبني عليها أعماله فيحرز بها لنفسه ما يريده من السعادة.
ولذلك تختلف هذه الأحكام بحسب اختلاف المقاصد الاجتماعية فهناك أعمال وأمور كثيرة تستحسنها المجتمعات القطبية مثلا وهي بعينها مستقبحة في المجتمعات الاستوائية ، وكذلك الاختلافات الموجودة بين الشرقيين والغربيين وبين الحاضرين والبادين ، وربما يحسن عند العامة من أهل مجتمع واحد ما يقبح عند الخاصة ، وكذلك اختلاف النظر بين الغني والفقير ، وبين المولى والعبد ، وبين الرئيس والمرءوس ، وبين الكبير والصغير ، وبين الرجل والمرأة.
نعم هناك أمور اعتبارية وأحكام وضعية لا تختلف فيها المجتمعات وهي المعاني التي تعتمد على مقاصد حقيقية عامة لا تختلف فيها المجتمعات كوجوب الاجتماع نفسه ، وحسن العدل ، وقبح الظلم ، فقد تحصل أن للقسم الثاني من علومنا أيضا اعتمادا على الخارج وإن كان غير منطبق عليه مستقيما انطباق القسم الأول.
إذا عرفت ذلك علمت أن علومنا وأحكامنا كائنة ما كانت معتمدة على فعله تعالى فإن الخارج الذي نماسه فننتزع ونأخذ منه أو نبني عليه علومنا هو عالم الصنع والإيجاد وهو فعله.
وعلى هذا فيعود معنى قولنا مثلا:"الواحد نصف الاثنين بالضرورة"إلى أن الله سبحانه يفعل دائما الواحد والاثنين على هذه النسبة الضرورية ، وعلى هذا القياس ، ومعنى قولنا:"زيد رئيس يجب احترامه"أن الله سبحانه أوجد الإنسان إيجادا بعثه إلى هذه الدعوى والمزعمة ثم إلى العمل على طبقه ، وعلى هذا القياس كل ذلك على ما يليق بساحة قدسه عز شأنه.
وإذا علمت هذا دريت أن جميع ما بأيدينا من الأحكام العقلية سواء في ذلك العقل النظري الحاكم بالضرورة والإمكان ، والعقل العملي الحاكم بالحسن والقبح المعتمد على المصالح والمفاسد مأخوذة من مقام فعله تعالى معتمدة عليه.
فمن عظيم الجرم أن نحكم العقل عليه تعالى فنقيد إطلاق ذاته غير المتناهية فنحده بأحكامه المأخوذة من مقام التحديد والتقييد ، أو أن نقنن له فنحكم عليه بوجوب فعل كذا وحرمة فعل كذا وأنه يحسن منه كذا ويقبح منه كذا على ما يراه قوم فإن في تحكيم العقل النظري عليه تعالى حكما بمحدوديته والحد مساوق للمعلولية فإن الحد غير المحدود والشيء لا يحد نفسه بالضرورة ، وفي تحكيم العقل العملي عليه جعله ناقصا مستقبلا تحكم عليه القوانين والسنن الاعتبارية التي هي في الحقيقة دعاو وهمية كما عرفت في الإنسان فافهم ذلك.
ومن عظيم الجرم أيضا أن نعزل العقل عن تشخيص أفعاله تعالى في مرحلتي التكوين والتشريع أعني أحكام العقل النظرية والعملية.