فهرس الكتاب

الصفحة 1582 من 4314

غير أن الذي نجده من الصفات الكمالية لا يخلو عن محدودية وهو تعالى أعظم من أن يحيط به حد ، والمفاهيم لا تخلو عنه لأن كل مفهوم مسلوب عن غيره منعزل عما سواه ، وهذا لا يلائم الإطلاق الذاتي فتوسل العقل إلى رفع هذه النقيصة بشيء من النعوت السلبية تنزيها ، وهو أنه تعالى أكبر من أن يوصف بوصف ، وأعظم من أن يحيط به تقييد وتحديد فمجموع التشبيه والتنزيه يقربنا إلى حقيقة الأمر ، وقد تقدم في ذيله قوله تعالى:"لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة": المائدة: 73 ، من غرر خطب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ما يبين هذه المسألة بأوفى بيان ويبرهن عليها بأسطع برهان فراجعه إن شئت.

هذا كله في العقل النظري.

وأما العقل العملي فقد عرفت أن أحكام هذا العقل جارية في أفعاله تعالى التشريعية غير أنه تعالى إنما شرع ما شرع واعتبر ما اعتبر لا لحاجة منه إليه بل ليتفضل به على الإنسان مثلا وهو ذو الفضل العظيم فيرتفع به حاجة الإنسان فله سبحانه في تشريعه غرض لكنه قائم بالإنسان الذي قامت به الحاجة لا به تعالى ، ولتشريعاته مصالح مقتضية لكن المنتفع بها هو الإنسان دونه كما تقدم.

وإذا كان كذلك كان للعقل أن يبحث في أطراف ما شرعه من الأحكام ويطلب الحصول على الحسن والقبح والمصلحة والمفسدة فيها لكن لا لأن يحكم عليه فيأمره وينهاه ويوجب ويحرم عليه كما يفعل ذلك بالإنسان إذ لا حاجة له تعالى إلى كمال مرجو حتى يتوجه إليه حكم موصل إليه بخلاف الإنسان بل لأنه تعالى شرع الشرائع وسن السنن ثم عاملنا معاملة العزيز المقتدر الذي نقوم له بالعبودية وترجع إليه حياتنا ومماتنا ورزقنا وتدبير أمورنا ودساتير أعمالنا وحساب أفعالنا والجزاء على حسناتنا وسيئاتنا فلا يوجه إلينا حكما إلا بحجة ، ولا يقبل منا معذرة إلا بحجة ، ولا يجزينا جزاء إلا بحجة كما قال:"لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل": النساء: 165 ، وقال:"ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة": الأنفال: 42 إلى غير ذلك من احتجاجاته يوم القيامة على الإنس والجن ولازم ذلك أن يجري في أفعاله تعالى في نظر العقل العملي ما يجري في أفعال غيره بحسب السنن التي سنها.

وعلى ذلك جرى كلامه سبحانه قال:"إن الله لا يظلم الناس شيئا": يونس: 44 ، وقال:"إن الله لا يخلف الميعاد": آل عمران: 9 ، وقال:"و ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين": الدخان: 38 ، وفي هذا المعنى الآيات الكثيرة التي نفى فيها عن نفسه الرذائل الاجتماعية.

وفي ما تقدم من معنى جريان حكم العقل النظري والعملي في ناحيته تعالى آيات كثيرة ففي القسم الأول كقوله تعالى:"الحق من ربك فلا تكن من الممترين": آل عمران: 60 ولم يقل: الحق مع ربك لأن القضايا الحقة والأحكام الواقعية مأخوذة من فعله لا متبوعة له في عمله حتى يتأيد بها مثلنا ، وقوله:"و الله يحكم لا معقب لحكمه": الرعد: 41 ، فله الحكم المطلق من غير أن يمنعه مانع عقلي أو غيره فإن الموانع والمعقبات إنما تتحقق بفعله وهي متأخرة عنه لا حاكمة أو مؤثرة فيه ، وقوله:"و هو الواحد القهار": الرعد 16 ، وقوله:"و الله غالب على أمره": يوسف: 21 ، وقوله:"إن الله بالغ أمره": الطلاق: 3 ، فهو القاهر الغالب البالغ الذي لا يقهره شيء ولا يغلب عن شيء ولا يحول بينه وبين أمره حائل يزاحمه ، وقوله:"ألا له الخلق والأمر": الأعراف: 54 ، إلى غير ذلك من الآيات المطلقة التي ليس دونها مقيد.

نعم يجري في أفعاله الحكم العقلي لتشخيص الخصوصيات وكشف المجهولات لا لأن يكون متبوعا بل لأنه تابع لازم مأخوذ من سنته في فعله الذي هو نفس الواقع الخارج ، ويدل على ذلك جميع الآيات التي تحيل الناس إلى التعقل والتذكر والتفكر والتدبر ونحوها فلو لا أنها حجة فيما أفادته لم يكن لذلك وجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت