و لا إشكال كثير فيها فإن الآيات كما يشهد به سياقها ويدل عليه ذيل الأخيرة منها إنما تدل على قضاء إجمالي بكون النوع الإنساني مشتملا على فريقين ، وإنما يفصل الإجمال ، ويتعين كل من الطائفتين ، وتتميز من غيرها في مرحلة البقاء بأفعال اختيارية تستتبع سعادة أو شقاوة ، وتستدعي الاهتداء بالتوفيق أو أن يحق له الضلالة بولاية الشياطين ، وبعبارة أخرى الذي في بدء الخلقة قضاء مشروط ثم يخرج عن الاشتراط إلى الإطلاق بالأعمال الاختيارية بعد ذلك.
ومنها: ما يدل تفصيلا أن الله سبحانه خلق الناس مختلفين فمنهم من خلقه من طين الجنة وإليه مرجعه ، ومنهم من خلقه من طينة النار وإليها مآله ففي البصائر ، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) أنه قال: أخذ الله ميثاق شيعتنا معنا على ولايتنا لا يزيدون ولا ينقصون إن الله خلقنا من طينة عليين وخلق شيعتنا من طينة أسفل من ذلك ، وخلق عدونا من طينة سجين وخلق أولياءهم من طينة أسفل من ذلك.
أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة جدا.
وفي المحاسن ، عن عبد الله بن كيسان قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : جعلت فداك أنا مولاك عبد الله بن كيسان فقال: أما النسب فأعرفه ، وأما أنت فلست أعرفك ، قال: قلت: ولدت بالجبل ونشأت بأرض فارس ، وأنا أخالط الناس في التجارات وغير ذلك فأرى الرجل حسن السمت وحسن الخلق والأمانة ثم أفتشه فأفتشه عن عداوتكم ، وأخالط الرجل وأرى فيه سوء الخلق وقلة أمانة وزعارة ثم أفتشه فأفتشه عن ولايتكم فكيف يكون ذلك. فقال: أ ما علمت يا ابن كيسان إن الله تبارك وتعالى أخذ طينة من الجنة وطينة من النار فخلطهما جميعا ثم نزع هذه من هذه فما رأيت من أولئك من الأمانة وحسن السمت وحسن الخلق فمما مستهم من طينة الجنة ، وهم يعودون إلى ما خلقوا منه ، وما رأيت من هؤلاء من قلة الأمانة وسوء الخلق والزعارة ، فمما مستهم من طينة النار ، وهم يعودون إلى ما خلقوا منه.
أقول: والروايات في هذا المعنى أيضا كثيرة جدا.
وفي العلل ، عن حبة العرني عن علي (عليه السلام) قال: إن الله خلق آدم من أديم الأرض فمنه السباخ ، ومنه الملح ، ومنه الطيب فكذلك في ذريته الصالح والطالح.
أقول: وحديث الخلق من طينة عليين وسجين إشارة إلى قوله تعالى:"كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين - إلى أن قال - كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون": المطففين: 21 ، أما الآيات فسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى في محلها ، وأما الروايات فالرواية الأخيرة لا تخلو عن جهة بيان بمدلولها لمدلول ما تقدم عليها.
وذلك أنها تدل على أن المادة الأرضية على اختلافها في أوصافها لها ارتباط بأحوال الإنسان وأوصافه من حيث الصلاح والطلاح على حسب ما نشاهده في الخارج أن اختلاف المواد لها تأثير ما قطعي في اختلاف الصور الطارئة عليها والآثار البارزة منها وإن كان ذلك على الاقتضاء دون العلية التامة.
فقوله (عليه السلام) : إن الإنسان مخلوق من الطين ثم قوله: إن أصله من الجنة أو من النار يفيد أن من الأرض ما هو من الجنة ومنها ما هي من النار وإليهما يئول فإنها تصير إنسانا ثم يسلك إلى الجنة أو إلى النار ، وإنما يسلك إلى كل منهما ما يناسبها في مادة الخلقة فهذا الموجود المادي الأرضي هو الذي يصفو فيدخل الجنة ويكون طينه طين الجنة ، أو يزيد في التكدر والانحطاط فيدخل النار فيكون وقودا لها.
ويشعر به بعض الإشعار قوله تعالى حكاية عن أهل الجنة:"الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء"الآية: الزمر: 74 ، فإن ظاهر الآية أن المراد من الأرض هو هذه الأرض يسكنها الإنسان ويموت فيها ويبعث منها ، وهي المرادة من الجنة ، وإليه يشير أيضا قوله تعالى:"يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات": إبراهيم: 48.
فكأن المراد بطينة الجنة والنار في الروايات الطينة التي ستكون من أجزاء الجنة أو النار ، وخاصة بالنظر إلى بعض تعبيراته كقوله (عليه السلام) : من طينة عليين ومن طينة سجين ومن طينة الجنة ومن طينة النار.