و في قوله تعالى:"الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا"دلالة على أن الإنسان لا غنى له عن الدين على أي حال حتى من اشتغل باللهو واللعب ومحض حياته فيها محضا فإن الدين - كما تقدمت الإشارة إليه في تفسير قوله:"الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا"الآية - هو طريق الحياة الذي يسلكه الإنسان في الدنيا ، ولا محيص له عن سلوكه ، وقد نظمه الله سبحانه بحسب ما تهدي إليه الفطرة الإنسانية ودعت إليه ، وهو دين الإنسان الذي يخصه وينسب إليه ، وهو الذي يهم الإنسان ويسوقه إلى غاية حقيقية هي سعادة حياته.
فحيث جرى عليه الإنسان وسلكه كان على دينه الذي هو دين الله الفطري ، وحيث اشتغل عنه إلى غيره الذي يلهو عنه ولا يهديه إلا إلى غايات خيالية وهي اللذائذ المادية التي لا بقاء لها ولا نفع فيها يعود إلى سعادته فقد اتخذ دينه لهوا ولعبا وغرته الحياة الدنيا بسراب زخارفها.
وقوله تعالى:"فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا"أي اليوم نتركهم ولا نقوم بلوازم حياتهم السعيدة كما تركوا يومهم هذا فلم يقوموا بما يجب أن يعملوا له وبما كانوا بآياتنا يجحدون ونظير الآية في جعل تكذيب الآيات سببا لنسيان الله له يوم القيامة قوله:"قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى": طه: 126 ، وقد بدل هناك الجحد نسيانا.
قوله تعالى:"و لقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم"الآية عود على بدء الكلام أعني قوله في أول الآيات:"فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته"أي من أعظم من هؤلاء ظلما ولقد أتممنا عليهم الحجة وأقمنا لهم البيان فجئناهم بكتاب فصلناه وأنزلناه إليهم على علم منا بنزوله؟.
فقوله:"على علم"متعلق بقوله"لقد جئناهم"والكلمة تتضمن احتجاجا على حقية الكتاب والتقدير: ولقد جئناهم بكتاب حق: وكيف لا يكون حقا؟ وقد نزل على علم منا بما يشتمل عليه من المطالب.
وقوله:"هدى ورحمة لقوم يؤمنون"أي هدى وإراءة طريق للجميع ورحمة للمؤمنين به خاصة ، أو هدى وإيصالا بالمطلوب للمؤمنين ورحمة لهم ، والأول أنسب بالمقام وهو مقام الاحتجاج.
قوله تعالى:"هل ينظرون إلا تأويله"إلى آخر الآية.
الضمير في تأويله راجع إلى الكتاب ، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى:"هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات"الآية: آل عمران: 7 إن التأويل في عرف القرآن هو الحقيقة التي يعتمد عليها حكم أو خبر أو أي أمر ظاهر آخر اعتماد الظاهر على الباطن والمثل على المثل.
فقوله:"هل ينظرون إلا تأويله"معناه هل ينتظر هؤلاء الذين يفترون على الله كذبا أو يكذبون بآياته وقد تمت عليهم الحجة بالقرآن النازل عليهم ، إلا حقيقة الأمر التي كانت هي الباعثة على سوق بياناته وتشريع أحكامه والإنذار والتبشير الذين فيه؟ فلو لم ينتظروه لم يتركوا الأخذ بما فيه.
ثم يخبر تعالى عن حالهم في يوم إتيان التأويل بقوله: يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه إلخ ، أي إذا انكشفت حقيقة الأمر يوم القيامة يعترف التاركون له بحقية ما جاءت به الرسل من الشرائع التي أوجبوا العمل بها ، وأخبروا أن الله سيبعثهم ويجازيهم عليها.
وإذ شاهدوا عند ذلك أنهم صفر الأيدي من الخير ، هالكون بفساد أعمالهم سألوا أحد أمرين يصلح به ما فسد من أمرهم إما شفعاء ينجونهم من الهلاك الذي أطل عليهم أو أنفسهم ، بأن يردوا إلى الدنيا فيعملوا صالحا غير الذي كانوا يعملونه من السيئات وذلك قوله حكاية عنهم:"فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل"؟.
وقوله تعالى:"قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون"فصل في معنى التعليل لما حكي عنهم من سؤال أحد أمرين: إما الشفعاء وإما الرد إلى الدنيا كأنه قيل: لما ذا يسألون هذا الذي يسألون؟ فقيل:"قد خسروا أنفسهم"فيما بدلوا دينهم لهوا ولعبا ، واختاروا الجحود على التسليم وقد زال عنهم الافتراءات المضلة التي كانت تحجبهم عن ذلك في الدنيا فبان لهم أنهم في حاجة إلى من يصلح لهم أعمالهم إما أنفسهم أو غيرهم ممن يشفع لهم.
وقد تقدم في مبحث الشفاعة في الجزء الأول من الكتاب أن في قوله"فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا"دلالة على أن هناك شفعاء يشفعون للناس إذ قال: من شفعاء ، ولم يقل: من شفيع فيشفع لنا.