ثم ذكر أنه ينصح لهم وهو عظاته بالإنذار والتبشير ليقربهم من طاعة ربهم ويبعدهم عن الاستكبار والاستنكاف عن عبوديته كل ذلك بذكر ما عرفه الله من بدء الخلقة وعودها وسننه تعالى الجارية فيها ولذا ذكر ثالثا أنه يعلم من الله ما لا يعلمون كوقائع يوم القيامة من الثواب والعقاب وغير ذلك ، وما يستتبع الطاعة والمعصية من رضاه تعالى وسخطه ووجوه نعمه ونقمه.
ومن هنا يظهر أن الجمل الثلاث كل مسوق لغرض خاص أعني قوله:"أبلغكم"الآية و"أنصح لكم"و"أعلم"الآية وهي ثلاثة أوصاف متوالية لا كما قيل: إن الأوليان صفتان ، والثالثة جملة حالية عن فاعل"و أنصح لكم".
قوله تعالى:"أ وعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم"إلى آخر الآية.
استفهام إنكاري ينكر تعجبهم من دعواه الرسالة ودعوته إياهم إلى الدين الحق والمراد بالذكر ما يذكر به الله وهو المعارف الحقة التي أوحيت إليه ، وقوله:"من ربكم"متعلق بمقدر أي ذكر كائن من ربكم.
وقوله:"لينذركم"و"لتتقوا"و"لعلكم ترحمون"متعلقات بقوله:"جاءكم"والمعنى لغرض أن ينذركم الرسول ، ولتتقوا أنتم ، ويؤدي ذلك إلى رجاء أن تشملكم الرحمة الإلهية فإن التقوى وإن كان يؤدي إلى النجاة لكنها ليست بعلة تامة ، وقد اشتمل ما حكي من إجمال كلامه (عليه السلام) من معارف عالية إلهية.
قوله تعالى:"فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك"الفلك السفينة يستعمل واحدا وجمعا على ما ذكره الراغب ويذكر ويؤنث كما في الصحاح ،"و قوله:"قوما عمين"موصوف وصفة."
وعمين جمع عمي كخشن صفة مشبهة من عمي يعمى ، عمي كالأعمى إلا أن العمي يختص بعمى البصيرة والأعمى بعمى البصر ، كما قيل ، ومعنى الآية ظاهر.