قوله تعالى:"أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين"أي لا شأن لي بما أني رسول إلا تبليغ رسالات ربي خالصا من شوب ما تظنون بي من كوني كاذبا فلست بغاش لكم فيما أريد أن أحملكم عليه ، ولا خائن لما عندي من الحق بالتغيير ولا لما عندي من حقوقكم بالإضاعة ، فما أريده منكم من التدين بدين التوحيد هو الذي أراه حقا ، وهو الذي فيه نفعكم وخيركم ، فإنما وصف نفسه بالأمين محاذاة لقولهم:"و إنا لنظنك من الكاذبين".
قوله تعالى:"أ وعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم"إلى آخر الآية.
البصطة هي البسطة قلبت السين صادا لمجاورتها الطاء وهو من حروف الإطباق كالصراط والسراط والآلاء جمع إلى بفتح الهمزة وكسرها بمعنى النعمة كآناء جمع أنى وإنى.
ثم أنكر (عليه السلام) تعجبهم من رسالته إليهم نظير ما تقدم من نوح (عليه السلام) وذكرهم نعم الله عليهم ، وخص من بينها نعمتين ظاهرتين هما أن الله جعلهم خلفاء في الأرض بعد نوح ، وأن الله خصهم من بين الأقوام ببسطة الخلق وعظم الهيكل البدني المستلزم لزيادة الشدة والقوة ، ومن هنا يظهر أنهم كانوا ذوي حضارة وتقدم ، وصيت في البأس والقوة والقدرة.
ثم أتبعهما بالإشارة إلى سائر النعم بقوله تعالى:"فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون".
قوله تعالى:"قالوا أ جئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا"الآية.
فيه تعلق منهم بتقليد الآباء ، وتعجيز هود مشوبا بنوع من الاستهزاء بما أنذرهم به من العذاب.
قوله تعالى:"قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب"إلى آخر الآية.
الرجس والرجز هو الأمر الذي إذا وقع على الشيء أوجب ابتعاده أو الابتعاد عنه ، ولذا يطلق على القاذورة لأن الإنسان يتنفر ويبتعد عنه ، وعلى العذاب لأن المعذب - اسم مفعول - يبتعد عمن يعذبه أو من الناس الآمنين من العذاب.
أجابهم بأن إصرارهم على عبادة الأوثان بتقليد آبائهم أوجب أن يحق عليهم البعد عن الله بالرجس والغضب ، ثم فرع عليه أن هددهم بما يستعجلون من العذاب ، وأخبرهم بنزوله عليهم لا محالة ، وكنى عن ذلك بأمرهم بالانتظار وإخبارهم بأنه مثلهم في انتظار نزول العذاب فقال:"فانتظروا إني معكم من المنتظرين".
وأما قوله:"أ تجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان"فهو رد لما استندوا إليه في ألوهية آلهتهم وهو أنهم وجدوا آباءهم على عبادتها - وهم أكمل منهم وممن في طبقتهم كهود وأعقل - فيجب عليهم أن يقلدوهم.
ومحصله أنكم وآباءكم سواء في أنكم جميعا أتيتم بأشياء ليس لكم على ما ادعيتم من صفتها وهي الألوهية من سلطان وهو البرهان والحجة القاطعة فلا يبقى لها من الألوهية إلا الأسماء التي سميتموها بها إذ قلتم: إله الخصب وإله الحرب وإله البحر وإله البر ، وليس لهذه الأسماء مصاديق إلا في أوهامكم ، فهل تجادلونني في الأسماء ، وللإنسان أن يسمي كل ما شاء بما شاء إذا لم يعتبر تحقق المعنى في الخارج.
وقد تكرر في القرآن الاستدلال على بطلان الوثنية بهذا البيان:"أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان"وهو من ألطف البيان وأرقه ، وأبلغ الحجة وأقطعها إذ لو لم يأت الإنسان لما يدعيه من دعوى بحجة برهانية لم يبق لما يدعيه من النعت إلا التسمية والتعبير ، ومن أبده الجهل أن يعتمد الإنسان على مثل هذا النعت الموهوم.
وهذا البيان يطرد ويجري بالتحليل في جميع الموارد التي يثق فيها الإنسان على غير الله سبحانه من الأسباب ، ويعطيها من الاستقلال ما يوجب تعلق قلبه بها وطاعته لها وتقربه منها فإن الله سبحانه عد في موارد من كلامه طاعة غيره والركون إلى من سواه عبادة له قال:"أ لم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني": يس: 61.
قوله تعالى:"فأنجيناه والذين معه برحمة منا"إلى آخر الآية ، تنكير الرحمة للدلالة على النوع أي بنوع من الرحمة وهي الرحمة التي تختص بالمؤمنين من النصرة الموعودة لهم قال تعالى:"إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد": المؤمن: 51 ، وقال:"و كان حقا علينا نصر المؤمنين": الروم: 47.