فهرس الكتاب

الصفحة 1655 من 4314

ثم علل دعوته إلى الأمرين بقوله:"ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين"أما كون إيفاء الكيل والميزان وعدم بخس الناس أشياءهم خيرا فلأن حياة الإنسان الاجتماعية في استقامتها مبنية على المبادلة بين الأفراد بإعطاء كل منهم ما يفضل من حاجته ، وأخذ ما يعادله مما يتمم به نقصه في ضروريات الحياة وما يتبعها ، وهذا يحتاج إلى أمن عام في المعاملات تحفظ به أوصاف الأشياء ومقاديرها على ما هي عليه فمن يجوز لنفسه البخس في أشياء الناس فهو يجوز ذلك لكل من هو مثله ، وهو شيوعه ، وإذا شاع البخس والغش والغرر من غير أن يؤمن حلول السم محل الشفاء والردي مكان الجيد ، والخليط مكان الخالص ، وبالآخرة كل شيء محل كل شيء بأنواع الحيل والعلاجات كان فيه هلاك الأموال والنفوس جميعا.

وأما كون الكف عن إفساد الأرض خيرا لهم فلأن سلب الأمن العام يوقف رحى المجتمع الإنساني عن حركتها من جميع الجهات وفي ذلك هلاك الحرث والنسل وفناء الإنسانية.

فالمعنى: إيفاء الكيل والميزان وعدم البخس والكف عن الفساد في الأرض خير لكم يظهر لكم خيريته إن كنتم مصدقين لقولي مؤمنين بي ، أو المعنى: ذلكم خير لكم تعلمون أنه خير إن كنتم ذوي إيمان بالحق.

وربما قيل: إن المعنى ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين بدعوتي فإن غير المؤمن لا ينتفع بسبب ما عنده من الكفر القاضي بشقائه وخسرانه وضلال سعيه بهذه الخيرات الدنيوية بحسب الحقيقة لأن انتفاعه إنما هو انتفاع في موطن خيالي وهو الحياة الدنيا التي هي لعب ، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون.

هذا كله على تقدير كون المشار إليه بقوله:"ذلكم"هو إيفاء الكيل وما بعده كما هو ظاهر السياق ، وأما أخذ الإشارة إلى جميع ما تقدم وجعل المراد بالإيمان هو الإيمان المصطلح دون الإيمان اللغوي كما احتمله بعضهم فهو أشبه باشتراط الشيء بنفسه لرجوع المعنى إلى نحو قولنا إن كنتم مؤمنين فالعبادة لله وحده بالإيمان به وإيفاء الكيل والميزان وعدم الفساد في الأرض خير لكم.

ويرد على الوجهين الأخيرين جميعا أن ظاهر قوله"إن كنتم مؤمنين"ثبوت اتصافهم بالإيمان قبل حال الخطاب فإنه مقتضى تعليق الحكم بقوله:"كنتم مؤمنين"المؤلف من ماضي الكون الناقص واسم الفاعل من الإيمان ، المقتضي لاستقرار الصفة فيهم زمانا ، ولا يخاطب بمثل هذا المعنى القوم الذين فيهم الكافر والمؤمن والمستكبر والمنقاد ولو كان كما يقولون لكان من حق الكلام أن يقال: ذلكم خير لكم إن آمنتم أو أن تؤمنوا فالظاهر أنه لا محيص من كون المراد بالإيمان غير الإيمان المصطلح.

قوله تعالى:"و لا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا"الآية ظاهر السياق أن"توعدون وتصدون"حالان من فاعل"لا تقعدوا"وقوله"و تبغونها"حال من فاعل"تصدون".

ثم دعاهم ثالثا إلى ترك التعرض لصراط الله المستقيم الذي هو الدين فإن في الكلام تلويحا إلى أنهم كانوا يقعدون على طريق المؤمنين بشعيب (عليه السلام) ويوعدونهم على إيمانهم به والحضور عنده والاستماع منه وإجراء العبادات الدينية معه ، ويصرفونهم عن التدين بدين الحق والسلوك في طريقة التوحيد وهم يسلكون طريق الشرك ، ويطلبون سبيل الله الذي هو دين الفطرة عوجا.

وبالجملة كانوا يقطعون الطريق على الإيمان بكل ما يستطيعون من قوة واحتيال فنهاهم عن ذلك ، ووصاهم أن يذكروا نعمة الله عليهم ويعتبروا بالنظر إلى ما يعلمونه من تاريخ الأمم الغابرة ، وما آل إليه أمر المفسدين من عاقبة السوء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت