لكن الأوجه أنه كان يريد بقوله:"ما علمت لكم من إله غيري"نفي إله يخص قومه القبطيين يملكهم ويدبر أمورهم غير نفسه كما هو المعهود من عقائد الوثنيين أن لكل صنف من أصناف الخلائق كالسماء والأرض والبر والبحر وقوم كذا ، أو من أصناف الحوادث والأمور كالسلم والحرب والحب والجمال ربا على حدة ، وإنما كانوا يعبدون من بينها ما يهمهم عبادته كعبادته سكان سواحل البحار رب البحر والطوفان.
فمعنى كلامه أني أنا ربكم معاشر القبطيين لا ما اتخذه موسى وهو يدعي أنه ربكم أرسله إليكم ، ويؤيد ما ذكرناه ما احتف به من القرينة بقوله:"ما علمت لكم من إله غيري ، فإنه تعالى يقول:"و قال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين": القصص: 38 ، فظاهرها أنه كان يشك في كونه إلها لموسى ، وأن معنى قوله:"ما علمت لكم من إله غيري"نفي العلم بوجود إله غيره لا العلم بعدم وجود إله غيره ، وبالجملة فكلامه لا ينفي إلها غيره."
وأما احتمال كون فرعون دهريا غير قائل بوجود الصانع فالظاهر أنه الذي يوجد في كلام الرازي قال في التفسير الكبير ، ما لفظه: الذي يخطر ببالي أن فرعون إن قلنا: إنه ما كان كامل العقل لم يجز في حكمة الله تعالى إرسال الرسول إليه ، وإن كان عاقلا لم يجز أن يعتقد في نفسه كونه خالق السماوات والأرض ، ولم يجز في الجمع العظيم من العقلاء أن يعتقدوا فيه ذلك لأن فساده معلوم بضرورة العقل.
بل الأقرب أن يقال: إنه كان دهريا ينكر وجود الصانع ، وكان يقول: مدبر هذا العالم السفلى هو الكواكب ، وأما المجدي في هذا العالم للخلق ولتلك الطائفة والمربي لهم فهو نفسه فقوله:"أنا ربكم الأعلى"أي مربيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم ، وقوله:"ما علمت لكم من إله غيري"أي لا أعلم لكم أحدا يجب عليكم عبادته إلا أنا.
وإذا كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال: إنه كان قد اتخذ أصناما على صور الكواكب ويعبدها ويتقرب إليها على ما هو دين عبدة الكواكب ، وعلى هذا التقدير فلا امتناع في حمل قوله تعالى:"و يذرك وآلهتك"على ظاهره فهذا ما عندي في هذا الباب انتهى.
وقد أخطأ في ذلك فليس معنى الألوهية والربوبية عند الوثنيين وعبدة الكواكب خالقية السماوات والأرض بل تدبير شيء من أمور العالم كما احتمله أخيرا ، ولا في الدهريين من يعبد الكواكب ، ولا في الصابئين وعبدة الكواكب من ينكر وجود الصانع.
بل الحق أن فرعون - كما تقدم - كان يرى نفسه ربا لمصر وأهله ، وكان إنما ينكر كونهم مربوبي إله آخر على قاعدتهم لا أنهم أو غيرهم من العالم ليسوا مخلوقين لله سبحانه.
وقوله تعالى:"قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون"وعد منه للملإ من قومه أن يعيد إلى بني إسرائيل تعذيبه السابق وهو قتل أبنائهم واستحياء نسائهم واستبقاؤهن للخدمة ، وعقبه بقوله:"و إنا فوقهم قاهرون"وهو تطييب قلوبهم وإسكان ما في نفوسهم من الاضطراب والطيش.
قوله تعالى:"قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا"إلى آخر الآية.
وهذا من موسى (عليه السلام) بعث لبني إسرائيل واستنهاض لهم على الاستعانة بالله على مقصدهم وهو التخلص من إسارة آل فرعون واستعبادهم ثم بعث على الصبر على شدائد يهددهم بها فرعون من ألوان العذاب ، والصبر هو رائد الخير وفرط كل فرج ، ثم علل ذلك بقوله:"إن الأرض لله يورثها من يشاء".
ومحصله أن فرعون لا يملك الأرض حتى يمنحها من يشاء ، ويمنع من التمتع بها من يشاء بل هي لله يورثها من يشاء ، وقد جرت السنة الإلهية أن يخص بحسن العاقبة من يتقيه من عباده فإن استعنتم بالله وصبرتم في ذات الله على ما يهددكم من الشدائد - وهو التقوى - أورثكم الأرض التي ترونها في أيدي آل فرعون.