فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 4314

و أفاد: أن الأشياء - وهي بين بدئها وعودها - تجري على ما يستدعيه بدؤها ، ويحكم به حظها من السعادة والشقاء ، والخير والشر ، فقال تعالى:"كل يعمل على شاكلته": إسراء - 84 ، وقال:"و لكل وجهة هو موليها": البقرة - 148 ، وسيجيء توضيح دلالتها جميعا ، والغرض هاهنا مجرد الإشارة إلى ما يتم به البحث ، وهو أن هذه الأخبار الحاكية عن كون هذه الأشياء الطبيعية ، من الجنة ، أو من النار ، إذا كانت ملازمة لوجه السعادة أو الشقاوة لا تخلو عن وجه صحة ، لمطابقتها لأصول قرآنية ثابتة في الجملة ، وإن لم يستلزم ذلك كون كل واحد واحد صحيحا ، يصح الركون إليه ، فافهم المراد.

وربما قال القائل: إن قوله تعالى:"و إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسمعيل"الآية ظاهر في أنهما ، هما اللذان بنيا هذا البيت لعبادة الله تعالى في تلك البلاد الوثنية ، ولكن القصاصين ومن تبعهم من المفسرين ، جاءونا من ذلك بغير ما قصه الله تعالى علينا ، وتفننوا في رواياتهم ، عن قدم البيت ، وعن حج آدم ، وعن ارتفاعه إلى السماء وقت الطوفان ، وعن كون الحجر الأسود من أحجار الجنة ، وقد أراد هؤلاء القصاصون أن يزينوا الدين ويرقشوه برواياتهم هذه ، وهذه التزيينات بزخارف القول ، وإن أثرت أثرها في قلوب العامة ، لكن أرباب اللب والنظر من أهل العلم يعلمون أن الشرف المعنوي الذي أفاضه الله سبحانه ، بتكريم بعض الأشياء على بعض ، فشرف البيت إنما هو بكونه بيتا لله ، منسوبا إليه ، وشرف الحجر الأسود بكونه موردا للاستلام بمنزلة يد الله سبحانه وأما كون الحجر في أصله ياقوتة ، أو درة ، أو غير ذلك ، فلا يوجب مزية فيه ، وشرفا حقيقيا له ، وما الفرق بين حجر أسود ، وحجر أبيض ، عند الله تعالى في سوق الحقائق ، فشرف هذا البيت بتسمية الله تعالى إياه بيته ، وجعله موضعا لضروب من عبادته ، لا تكون في غيره - كما تقدم - لا بكون أحجاره تفضل سائر الأحجار ، ولا بكون موقعه تفضل سائر المواقع ، ولا بكونه من السماء ، وعالم الضياء وكذلك شرف الأنبياء على غيرهم من البشر ليس لمزية في أجسامهم ، ولا في ملابسهم ، وإنما هو لاصطفاء الله تعالى إياهم ، وتخصيصهم بالنبوة ، التي هي أمر معنوي ، وقد كان أهل الدنيا أحسن زينة ، وأكثر نعمة منهم.

قال: وهذه الروايات فاسدة ، في تناقضها وتعارضها في نفسها ، وفاسدة في عدم صحة أسانيدها ، وفاسدة في مخالفتها لظاهر الكتاب.

قال: وهذه الروايات خرافات إسرائيلية ، بثها زنادقة اليهود في المسلمين ، ليشوهوا عليهم دينهم ، وينفروا أهل الكتاب منه.

أقول: ما ذكره لا يخلو من وجه في الجملة ، إلا أنه أفرط في المناقشة ، فاعترضه من خبط القول ما هو أردى وأشنع.

أما قوله: إن هذه الروايات فاسدة أولا من جهة التناقض والتعارض وثانيا من جهة مخالفة الكتاب ، ففيه أن التناقض أو التعارض إنما يضر لو أخذ بكل واحد واحد منها ، وأما الأخذ بمجموعها من حيث المجموع بمعنى أن لا يطرح الجميع لعدم اشتمالها على ما يستحيل عقلا أو يمنع نقلا فلا يضره التعارض الموجود فيها وإنما نعني بذلك: الروايات الموصولة إلى مصادر العصمة ، كالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والطاهرين من أهل بيته ، وأما غيرهم من مفسري الصحابة ، والتابعين ، فحالهم حال غيرهم من الناس وحال ما ورد من كلامهم الخالي عن التناقض ، حال كلامهم المشتمل على التناقض وبالجملة لا موجب لطرح رواية ، أو روايات ، إلا إذا خالفت الكتاب أو السنة القطعية ، أو لاحت منها لوائح الكذب والجعل ، كما لا حجية إلا للكتاب والسنة القطعية ، في أصول المعارف الدينية الإلهية.

فهناك ما هو لازم القبول ، وهو الكتاب والسنة القطعية ، وهناك ما هو لازم الطرح ، وهو ما يخالفهما من الآثار ، وهناك ما لا دليل على رده ، ولا على قبوله ، وهو ما لا دليل من جهة العقل على استحالته ، ولا من جهة النقل أعني: الكتاب والسنة القطعية على منعه.

وبه يظهر فساد إشكاله بعدم صحة أسانيدها فإن ذلك لا يوجب الطرح ما لم يخالف العقل أو النقل الصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت