فهرس الكتاب

الصفحة 1692 من 4314

و بالجملة اشتد غضب موسى (عليه السلام) لما شاهد قومه ووبخهم وذمهم بقوله:"بئسما خلفتموني من بعدي أ عجلتم أمر ربكم"وهو استفهام إنكاري -"و ألقى الألواح"وهي ألواح التوراة"و أخذ برأس أخيه"قابضا على شعره يجره إليه"وقد قال له - فيما حكى الله في سورة طه:"يا هرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أ فعصيت أمري"؟."

"قال"هارون يا"ابن أم"وإنما خاطبه بذكر أمهما دون أن يقول: يا أخي أو يا ابن أبي للترقيق وتهييج الرحمة"إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني"لما خالفتهم في أمر العجل ومنعتهم عن عبادته"فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين"بحسباني كأحدهم في مخالفتك ، وكان مما قال له على ما حكاه الله في سورة طه - إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي.

وظاهر سياق الآية وكذا ما في سورة طه من آيات القصة أن موسى غضب على هارون كما غضب على بني إسرائيل غير أنه غضب عليه حسبانا منه أنه لم يبذل الجهد في مقاومة بني إسرائيل لما زعم أن الصلاح في ذلك مع أنه وصاه عند المفارقة وصية مطلقة بقوله:"و أصلح ولا تتبع سبيل المفسدين"وهذا المقدار من الاختلاف في السليقة والمشية بين نبيين معصومين لا دليل على منعه ، وإنما العصمة فيما يرجع إلى حكم الله سبحانه دون ما يرجع إلى السلائق وطرق الحياة على اختلافها.

وكذا ما فعله موسى بأخيه من أخذ رأسه يجره إليه كأنه مقدمة لضربه حسبانا منه إن استقل بالرأي زاعما المصلحة في ذلك وترك أمر موسى فما وقع منه إنما هو تأديب في أمر إرشادي لا عقاب في أمر مولوي وإن كان الحق في ذلك مع هارون ، ولذلك لما قص عليه القصص عذره في ذلك ، ودعا لنفسه ولأخيه بقوله رب اغفر لي ولأخي إلخ.

وقد وجه قوله:"و أخذ برأس أخيه يجره إليه"بوجوه أخر: الأول: أن موسى إنما فعل ذلك مستعظما لفعلهم مفكرا فيما كان منهم كما يفعل الإنسان ذلك بنفسه عند الوجد وشدة الغضب فيقبض على لحيته ويعض على شفته فأجرى موسى أخاه هارون مجرى نفسه فصنع به ما يصنع الإنسان بنفسه عند الغضب والأسف.

الثاني: أنه أراد أن يظهر ما اعتراه من الغضب على قومه لإكباره منهم ما صاروا إليه من الكفر والارتداد فصدر ذلك منه لإعلامهم عظم الحال عنده لينزجروا عن مثله في مستقبل الأحوال.

الثالث: أنه إنما جره إلى نفسه ليناجيه ويستفسر حال القوم منه ، ولذلك لما ذكر هارون ما ذكر ، قبله منه ودعا له.

الرابع: أنه لما رأى أن بهارون مثل ما به من الغضب والأسف أخذ برأسه متوجعا له مسكنا لما به من القلق فكره هارون أن يظن الجهال أنه استخفاف وإهانة فأظهر براءة نفسه ودعا له أخوه وجل هذه الوجوه أو كلها لا تلائم سياق الآيات.

وقوله في صدر الآية"و لما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا"يدل على أنه كان عالما بأمر ارتداد قومه من قبل ، وهو كذلك فإن الله سبحانه - كما حكى في سورة طه - قال له وهو في الميقات: فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري.

وإنما ظهر حكم غضبه عند ما شاهد قومه فاشتد عليهم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه كل ذلك فعله بعد ما رجع إليهم لا حينما أخبره بذلك ربه ، وإخبار الله سبحانه أصدق من الحس لأن الحس يصدق ويكذب ، والله سبحانه لا يقول إلا الحق.

وذلك لأن للعلم حكما وللمشاهدة حكما آخر ، والغضب هيجان القوة الدافعة للدفع أو الانتقام ، ولا يتحقق مورد للدفع والانتقام بمجرد تحقق العلم لكن الحس والمشاهدة تصاحب وجود المغضوب عليه عند العصيان فيتأتى منه الدفع والانتقام بالقول والفعل ، ولا يؤثر العلم قبل المشاهدة إلا حزنا وغما ونظير ذلك بالمقابلة أنك لو بشرت بقدوم من تحبه وتتوق نفسك إلى لقائه فلك عند تحقق البشرى حال وهو الفرح ، وعند لقاء الحبيب حال آخر وحكم جديد ، وكذا إذا شاهدت أمرا عجيبا وأنت وحدك كان حكمه التعجب ، وإذا شاهدته ومعك غيرك تعجبت وضحكت ، وله نظائر أخر.

قوله تعالى:"قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك"الآية دعاء منه (عليه السلام) وقد تقدم في الكلام على المغفرة في آخر الجزء السادس من الكتاب أن المغفرة أعم موردا من المعصية.

قوله تعالى:"إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم"الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت