فهرس الكتاب

الصفحة 1694 من 4314

و على هذا يكون المراد بالمغايرة في قوله:"كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه"التفاوت من حيث كيفية التفهيم.

وفي المعاني ، بإسناده عن هشام قال: كنت عند الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) إذ دخل عليه معاوية بن وهب وعبد الملك بن أعين فقال له معاوية بن وهب: يا ابن رسول الله ما تقول في الخبر المروي: أن رسول ص رأى ربه؟ على أي صورة رآه؟ وفي الخبر الذي رواه أن المؤمنين يرون ربهم في الجنة؟ على أي صورة يرونه؟ فتبسم ثم قال: يا معاوية ما أقبح بالرجل يأتي عليه سبعون سنة وثمانون سنة يعيش في ملك الله ويأكل من نعمه ثم لا يعرف الله حق معرفته. ثم قال: يا معاوية إن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) لم ير الرب تبارك وتعالى بمشاهدة العيان ، وإن الرؤية على وجهين: رؤية القلب ورؤية البصر فمن عنى برؤية القلب فهو مصيب ، ومن عنى برؤية البصر فقد كذب وكفر بالله وآياته لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : من شبه الله بخلقه فقد كفر. ولقد حدثني أبي عن أبيه عن الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) فقيل له: يا أخا رسول الله هل رأيت ربك؟ فقال: لم أعبد ربا لم أره لم تره العيون بمشاهدة العيان ولكن تراه القلوب بحقائق الإيمان. وإذا كان المؤمن يرى ربه بمشاهدة البصر فإن كل من جاز عليه البصر والرؤية فهو مخلوق ، ولا بد للمخلوق من خالق فقد جعلته إذا محدثا مخلوقا ، ومن شبهه بخلقه فقد اتخذ مع الله شريكا. ويلهم أ لم يسمعوا لقول الله تعالى:"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير"وقوله لموسى:"لن تراني ولكن انظر إلى الجبل - فإن استقر مكانه فسوف تراني - فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا"وإنما طلع من نوره على الجبل كضوء يخرج من سم الخياط فدكدكت الأرض ، وصعقت الجبال ، وخر موسى صعقا أي ميتا"فلما أفاق"ورد عليه روحه"قال سبحانك تبت إليك"من قول من زعم أنك ترى ورجعت إلى معرفتي بك: أن الأبصار لا تدركك"و أنا أول المؤمنين"بأنك ترى ولا ترى وأنت بالمنظر الأعلى الحديث.

وفي التوحيد ، بإسناده عن علي (عليه السلام) في حديث: وسأل موسى وجرى على لسانه من حمد الله عز وجل:"رب أرني أنظر إليك"فكانت مسألته تلك أمرا عظيما ، وسأل أمرا جسيما فعوتب فقال الله عز وجل:"لن تراني"في الدنيا حتى تموت وتراني في الآخرة ، ولكن إن أردت أن تراني"فانظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني"فأبدى الله بعض آياته وتجلى ربنا للجبل فتقطع الجبل فصار رميما"و خر موسى صعقا"ثم أحياه الله وبعثه فقال:"سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين"يعني أول من آمن بك منهم بأنه لا يراك. أقول: الروايتان - كما ترى - تؤيدان ما تقدم في البيان السابق ، ويتحصل منهما: أولا: أن السؤال إنما كان عن رؤية القلب دون رؤية البصر المستحيل عليه تعالى بأي وجه تصور ، وحاشا مقام الكليم (عليه السلام) أن يجهل من ساحة ربه المنزهة ما هو من البداهة على مكان وهو يسمي القوم الذين اختارهم للميقات سفهاء إذ سألوا الرؤية إذ يقول لربه:"أ تهلكنا بما فعل السفهاء منا": الأعراف: 155 ، فكيف يقدم هو نفسه على ما سماه سفهاء؟.

وقد كان النزاع والمشاجرة في الصدر الأول وخاصة في زمان الصادقين إلى زمان الرضا (عليه السلام) في المسألة بالغا أوج شدته ينكرها المعتزلة مطلقا ويثبتها الأشاعرة في الآخرة وهناك طائفة أخرى تثبتها في الدنيا والآخرة جميعا ، والفريقان جميعا يستدلان بالآية ولم تزل المنازعة قائمة على ساقها لم تنقطع ظاهرا إلا بسيوف آل أيوب التي أبادت المعتزلة وألحقت طالعهم بغاربهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت