فهرس الكتاب

الصفحة 1724 من 4314

فالإنسان في أي منزل من منازل الإنسانية نزل يشاهد من نفسه أن له ربا يملكه ويدبر أمره ، وكيف لا يشاهد ربه وهو يشاهد حاجته الذاتية؟ وكيف يتصور وقوع الشعور بالحاجة من غير شعور بالذي يحتاج إليه؟ فقوله:"أ لست بربكم"بيان ما أشهد عليه ، وقوله:"قالوا بلى شهدنا"اعتراف منهم بوقوع الشهادة وما شهدوه ، ولذا قيل: إن الآية تشير إلى ما يشاهده الإنسان في حياته الدنيا أنه محتاج في جميع جهات حياته من وجوده وما يتعلق به وجوده من اللوازم والأحكام ، ومعنى الآية أنا خلقنا بني آدم في الأرض وفرقناهم وميزنا بعضهم من بعض بالتناسل والتوالد ، وأوفقناهم على احتياجهم ومربوبيتهم لنا فاعترفوا بذلك قائلين: بلى شهدنا أنك ربنا.

وعلى هذا يكون قولهم:"بلى شهدنا"من قبيل القول بلسان الحال أو إسناد اللازم القول إلى القائل بالملزوم حيث اعترفوا بحاجاتهم ولزمه الاعتراف بمن يحتاجون إليه ، والفرق بين لسان الحال ، والقول بلازم القول: أن الأول انكشاف المعنى عن الشيء لدلالة صفة من صفاته وحال من أحواله عليه سواء شعر به أم لا كما تفصح آثار الديار الخربة عن حال ساكنيها ، وكيف لعب الدهر بهم؟ وعدت عادية الأيام عليهم؟ فأسكنت أجراسهم وأخمدت أنفاسهم ، وكما يتكلم سيماء البائس المسكين عن فقره ومسكنته وسوء حاله.

والثاني انكشاف المعنى عن القائل لقوله بما يستلزمه أو تكلمه بما يدل عليه بالالتزام.

فعلى أحد هذين النوعين من القول أعني القول بلسان الحال والقول بالاستلزام يحمل اعترافهم المحكي بقوله تعالى:"قالوا بلى شهدنا"والأول أقرب وأنسب فإنه لا يكتفي في مقام الشهادة إلا بالصريح منها المدلول عليه بالمطابقة دون الالتزام.

ومن المعلوم أن هذه الشهادة على أي نحو تحققت فهي من سنخ الاستشهاد المذكور في قوله:"أ لست بربكم"فالظاهر أنه قد استوفى الجواب بعين اللسان الذي سألهم به ، ولذلك كان هناك نحو ثالث يمكن أن يحمل عليه هذه المساءلة والمجاوبة فإن الكلام الإلهي يكشف به عن المقاصد الإلهية بالفعل ، والإيجاد كلام حقيقي - وإن كان بنحو التحليل - كما تقدم مرارا في مباحثنا السابقة فليكن هنا قوله:"أ لست بربكم"وقولهم:"بلى شهدنا"من ذاك القبيل ، وسيجيء للكلام تتمة.

وكيف كان فقوله:"و إذ أخذ ربك من بني آدم"الآية يدل على تفصيل بني آدم بعضهم من بعض ، وإشهاد كل واحد منهم على نفسه ، وأخذ الاعتراف على الربوبية منه ، ويدل ذيل الآية وما يتلوه أعني قوله:"أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أ فتهلكنا بما فعل المبطلون"على الغرض من هذا الأخذ والإشهاد.

وهو على ما يفيده السياق إبطال حجتين للعباد على الله وبيان أنه لو لا هذا الأخذ والإشهاد وأخذ الميثاق على انحصار الربوبية كان للعباد أن يتمسكوا يوم القيامة بإحدى حجتين يدفعون بها تمام الحجة عليهم في شركهم بالله والقضاء بالنار ، على ذلك من الله سبحانه.

والتدبر في الآيتين وقد عطفت إحدى الحجتين على الأخرى بأو الترديدية ، وبنيت الحجتان جميعا على العلم اللازم للإشهاد ، ونقلتا جميعا عن بني آدم المأخوذين المفرقين يعطي أن الحجتين كل واحدة منهما مبنية على تقدير من تقديري عدم الإشهاد كذلك.

والمراد أنا أخذنا ذريتهم من ظهورهم وأشهدناهم على أنفسهم فاعترفوا بربوبيتنا فتمت لنا الحجة عليهم يوم القيامة ، ولو لم نفعل هذا ولم نشهد كل فرد منهم على نفسه بعد أخذه فإن كنا أهملنا الإشهاد من رأس فلم يشهد أحد نفسه وأن الله ربه ، ولم يعلم به لأقاموا جميعا الحجة علينا يوم القيامة بأنهم كانوا غافلين في الدنيا عن ربوبيتنا ، ولا تكليف على غافل ولا مؤاخذة ، وهو قوله تعالى:"أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت