1 -أنه لا يخلو إما أن جعل الله هذه الذرية المستخرجة من صلب آدم عقلاء أو لم يجعلهم كذلك فإن لم يجعلهم عقلاء فلا يصح أن يعرفوا التوحيد ، وأن يفهموا خطاب الله تعالى ، وإن جعلهم عقلاء وأخذ منهم الميثاق وبنى صحة التكليف على ذلك وجب أن يذكروا ذلك ولا ينسوه لأن أخذ الميثاق إنما تتم الحجة به على المأخوذ منه إذا كان على ذكر منه من غير نسيان كما ينص عليه قوله تعالى:"أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين"ونحن لا نذكر وراء ما نحن عليه من الخلقة الدنيوية الحاضرة شيئا فليس المراد بالآية إلا موقف الإنسان في الدنيا ، وما يشاهده فيه من حاجته إلى رب يملكه ويدبر أمره ، وهو رب كل شيء.
2 -أنه لا يجوز أن ينسى الجمع الكثير والجم الغفير من العقلاء أمرا قد كانوا عرفوه وميزوه حتى لا يذكره ولا واحد منهم ، وليس العهد به بأطول من عهد أهل الجنة بحوادث مضت عليهم في الدنيا وهم يذكرون ما وقع عليهم في الدنيا كما يحكيه تعالى في مواضع من كلامه كقوله:"قال قائل منهم إني كان لي قرين"إلى آخر الآيات: الصافات: 51 وقد حكى نظير ذلك من أهل النار كقوله:"و قالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار": ص. 62 إلى غير ذلك من الآيات.
ولو جاز النسيان على هؤلاء الجماعة مع هذه الكثرة لجاز أن يكون الله سبحانه قد كلف خلقه فيما مضى من الزمن ثم أعادهم ليثيبهم أو ليعاقبهم جزاء لأعمالهم في الخلق الأول وقد نسوا ذلك ، ولازم ذلك صحة قول التناسخية أن المعاد إنما هو خروج النفس عن بدنها ثم دخولها في بدن آخر لتجد في الثاني جزاء الأعمال التي عملتها في الأول 3 - ما أورد على الأخبار الناطقة بأن الله سبحانه أخذ من صلب آدم ذريته وأخذ منهم الميثاق ، بأن الله سبحانه قال:"أخذ ربك من بني آدم"ولم يقل من آدم وقال:"من ظهورهم"ولم يقل من ظهره ، وقال:"ذريتهم"ولم يقل: ذريته ثم أخبر بأنه إنما فعل بهم ذلك لئلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو يقولوا"إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم"الآية ، وهذا يقتضي أن يكون لهم آباء مشركون فلا يتناول ظاهر الآية أولاد آدم لصلبه.
ومن هنا قال بعضهم: إن الآية خاصة ببعض بني آدم غير عامة لجميعهم فإنها لا تشمل آدم وولده لصلبه ، وجميع المؤمنين ومن المشركين من ليس له آباء مشركون بل تختص بالمشركين الذين لهم سلف مشرك.
4 -أن تفسير الآية بعالم الذر ينافي قولهم - كما في الآية -"إنما أشرك آباؤنا"لدلالته على وجود آباء لهم مشركين ، وهو ينافي وجود الجميع هناك بوجود واحد جمعي.
5 -ما ذكره بعضهم أن الروايات مقبولة مسلمة غير أنها ليست بتأويل للآية ، والذي تقصه من حديث عالم الذر إنما هو أمر فعله الله سبحانه ببني آدم قبل وجودهم في هذه النشأة ليجروا بذلك على الأعراق الكريمة في معرفة ربوبيته كما روي: أنهم ولدوا على الفطرة ، وكما قيل: إن نعيم الأطفال في الجنة ثواب إيمانهم بالله في عالم الذر.
وأما الآية فليست تشير إلى ما تشير إليه الروايات فإن الآية تذكر أنه إنما فعل بهم ذلك لتنقطع به حجتهم يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ، ولو كان المراد به ما فعل بهم في عالم الذر لكان لهم أن يحتجوا على الله فيقولوا: ربنا إنك أشهدتنا على أنفسنا يوم أخرجتنا من صلب آدم فكنا على يقين بأنك ربنا كما أنا اليوم وهو يوم القيامة - على يقين من ذلك لكنك أنسيتنا موقف الإشهاد في الدنيا التي هي موطن التكليف والعمل ، ووكلتنا إلى عقولنا فعرف ربوبيتك من عرفها بعقله ، وأنكرها من أنكرها بعقله كل ذلك بالاستدلال فما ذنبنا في ذلك وقد نزعت منا عين المشاهدة ، وجهزتنا بجهاز شأنه الاستدلال وهو يخطىء ويصيب؟.
6 -أن الآية لا صراحة لها فيما تدل عليه الروايات لإمكان حملها على التمثيل ، وأما الروايات فهي إما مرفوعة أو موقوفة ولا حجية فيها.
هذه جمل ما أوردوه على دلالة الآية وحجية الروايات ، وقد زيفها المثبتون لنشاة الذر وهم عامة أهل الحديث وجمع من غيرهم من المفسرين بأجوبة.