و يؤيد هذا الوجه قوله في ذيل الآية:"فتعالى الله عما يشركون"فإن المراد بالنفس وزوجها في صدر الكلام لو كان شخصين من الإنسان بعينهما كآدم وحواء مثلا كان من حق الكلام أن يقال: فتعالى الله عن شركهما أو عما أشركا.
على أنه تعالى يعقب هذه الآية بآيات أخر يذم فيها الشرك ويوبخ المشركين بما ظاهره أنه الشرك بمعنى عبادة غير الله ، وحاشا أن يكون صفي الله آدم يعبد غير الله وقد نص الله سبحانه على أنه اجتباه وهداه ، ونص على أن لا سبيل للضلال على من هداه الله وأي ضلال أضل من عبادة غير الله ، قال تعالى:"ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى": طه: 122 ، وقال:"و من يهد الله فهو المهتد": إسراء: 97 ، وقال:"و من أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة": الأحقاف: 5 وبذلك يظهر أن الضلال والشرك غير منسوب إلى آدم وإن لم نقل بنبوته أو قلنا بها ولم نقل بعصمة الأنبياء (عليهم السلام) وإن أريد بالنفس وزوجها في القصة آدم وزوجته كان المراد بشركهما المذكور في الآية أنهما اشتغلا بتربية الولد واهتما في أمره بتدبير الأسباب والعوامل ، وصرفهما ذلك عن بعض ما لهما من التوجه إلى ربهما والخلوص في ذلك ، ومن الدليل على ذلك قوله تعالى حكاية عنهما:"لنكونن من الشاكرين"وقد تقدم في تفسير أوائل هذه السورة في قوله:"و لا تجد أكثرهم شاكرين": الآية: 17 أن الشاكرين في عرف القرآن هم المخلصون - بفتح اللام - الذين لا سبيل لإبليس عليهم ولا دبيب للغفلة في قلوبهم فالعتاب المتوجه إليهما في قوله:"فتعالى الله عما يشركون"إنما هو بالشرك بمعنى الاشتغال عن الله بغيره من الأسباب الكونية يوجه خلاف إخلاص القلب له تعالى.
لكن يبقى عليه إتيان قوله:"فتعالى الله عما يشركون"بصيغة الجمع ، وتعقيبه بما ظاهره أنه الشرك بمعنى عبادة غير الله.
وربما دفعه بعضهم بأن الآية في التخصيص أولا والتعميم ثانيا عكس قوله تعالى:"هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة": يونس 22 حيث خاطب أولا عامتهم بالتسيير ثم خص الكلام براكبي الفلك منهم خاصة ، والآية التي نحن فيها تخص أول القصة بآدم وزوجته فهما المعنيان بقوله:"هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها"ثم انقضى حديث آدم وزوجته ، وخص بالذكر المشركون من بني آدم الذين سألوا ما سألوا ، وجعلوا له شركاء فيما آتاهم أي إن كل اثنين منهم يولدان ولدا هذا حالهما من العهد ثم النقض.
وفيه أن قوله:"هو الذي يسيركم"الآية محفوف بقرينة قطعية تدل على المراد وتزيل اللبس بخلاف التدرج من الخصوص إلى العموم في هذه الآية فإنه موقع في اللبس لا يصار إليه في الكلام البليغ ، اللهم إلا أن يجعل قوله:"فتعالى الله عما يشركون"إلى آخر الآيات قرينة على ذلك.
وكيف كان فهذا الوجه كالمأخوذ من الوجهين الأولين بحمل صدر الآية على الوجه الثاني وذيلها على الوجه الأول.
وربما دفع الاعتراض السابق بأن في الكلام حذفا وإيصالا والتقدير:"فلما آتاهما أي آدم وحواء صالحا جعل أولادهما له شركاء"فحذف المضاف وهو الأولاد ، وأقيم المضاف إليه وهو ضمير التثنية المدلول عليه في قوله:"جعلا مقامه".
وفيه أنه لا دليل عليه.
وربما التزم بعض المفسرين الإشكال ، وتسلم أن المراد بهما آدم وزوجته ، وأنهما أشركا بالله عملا بروايات وردت في القصة عن بعضهم ، وهي موضوعة أو مدسوسة مخالفة للكتاب لا سبيل إلى الأخذ بأمثالها.
قوله تعالى:"أ يشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون"إلى آخر الآيات الثلاث.
صدر الآيات وإن احتمل أن يكون المراد الشرك بالأصنام أو بسائر الأسباب غير الله ، التي الاعتماد عليها نوع من الشرك لكن ذيلها ظاهر في أن المراد هو الشرك بالأصنام المتخذة آلهة وهي جماد لا يستطيع نصر من يعبدها ولا نصر أنفسها ، ولا يشعر بشيء من الدعاء وعدمه.
قوله تعالى:"إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم - إلى قوله - يسمعون بها"احتجاج على مضمون الآيات الثلاث السابقة ، والمعنى إنما قلنا إنهم مخلوقون لا يقدرون على شيء لأنهم عباد أمثالكم فكما أنكم مخلوقون مدبرون كذلك هم.