و قد اختلف المفسرون في معنى الآية وموقعها اختلافا شديدا من جهات: من جهة معنى قوله:"يسئلونك عن الأنفال"وقد نسب إلى أهل البيت (عليهم السلام) وبعض آخر كعبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن مصرف أنهم قرءوا:"يسئلونك الأنفال"فقيل: عن زائدة في القراءة المشهورة ، وقيل: بل مقدرة في القراءة الشاذة ، وقيل: إن المراد بالأنفال غنائم الحرب ، وقيل: غنائم غزوة بدر خاصة بجعل اللام في الأنفال للعهد ، وقيل: الفيء الذي لله والرسول والإمام ، وقيل: إن الآية منسوخة بآية الخمس ، وقيل: بل محكمة ، وقد طالت المشاجرة بينهم كما يعلم بالرجوع إلى مطولات التفاسير كتفسيري الرازي والآلوسي وغيرهما.
والذي ينبغي أن يقال بالاستمداد من السياق: أن الآية بسياقها تدل على أنه كان بين هؤلاء المشار إليهم بقوله:"يسئلونك"تخاصم خاصم به بعضهم بعضا بأخذ كل جانبا من القول لا يرضى به خصمه ، والتفريع الذي في قوله:"فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم"يدل على أن الخصومة كانت في أمر الأنفال ، ولازم ذلك أن يكون السؤال الواقع منهم المحكي في صدر الآية إنما وقع لقطع الخصومة ، كأنهم تخاصموا في أمر الأنفال ثم راجعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يسألونه عن حكمها لتنقطع بما يجيبه الخصومة وترتفع عما بينهم.
وهذا - كما ترى - يؤيد أولا القراءة المشهورة:"يسئلونك عن الأنفال"فإن السؤال إذا تعدى بعن كان بمعنى استعلام الحكم والخبر ، وأما إذا استعمل متعديا بنفسه كان بمعنى الاستعطاف ولا يناسب المقام إلا المعنى الأول.
وثانيا: أن الأنفال بحسب المفهوم وإن كان يعم الغنيمة والفيء جميعا إلا أن مورد الآية هي الأنفال بمعنى غنائم الحرب لا غنائم غزوة بدر خاصة إذ لا وجه للتخصيص فإنهم إذ تخاصموا في غنائم بدر لم يتخاصموا فيها لأنها غنائم بدر خاصة بل لأنها غنائم مأخوذة من أعداء الدين في جهاد ديني ، وهو ظاهر.
واختصاص الآية بحسب موردها بغنيمة الحرب لا يوجب تخصيص الحكم الوارد فيها بالمورد ، فإن المورد لا يخصص ، فإطلاق حكم الآية بالنسبة إلى كل ما يسمى بالنفل في محله ، وهي تدل على أن الأنفال جميعا لله ولرسوله لا يشارك الله ورسوله فيها أحد من المؤمنين سواء في ذلك الغنيمة والفيء.
ثم الظاهر من قوله:"قل الأنفال لله والرسول"وما يعظهم الله به بعد هذه الجملة ويحرضهم على الإيمان هو أن الله سبحانه فصل الخصومة بتشريع ملكها لنفسه ولرسوله ، ونزعها من أيديهم وهو يستدعي أن يكون تخاصمهم من جهة دعوى طائفة منهم أن الأنفال لها خاصة دون غيرها ، أو أنها تختص بشيء منها ، وإنكار الطائفة الأخرى ذلك ، ففصل الله سبحانه خصومتهم فيها بسلب ملكهم منها وإثبات ملك نفسه ورسوله ، وموعظتهم أن يكفوا عن المخاصمة والمشاجرة ، وأما قول من يقول: إن الغزاة يملكون ما أخذوه من الغنيمة بالإجماع فأحرى به أن يورد في الفقه دون التفسير.
وبالجملة فنزاعهم في الأنفال يكشف عن سابق عهد لهم بأن الغنيمة لهم أو ما في معناه غير أنه كان حكما مجملا اختلف فيه المتخاصمان وكل يجر النار إلى قرصته ، والآيات الكريمة تؤيد ذلك.
توضيحه: أن ارتباط الآيات في السورة والتصريح بقصة وقعة بدر فيها يكشف أن السورة بأجمعها نزلت حول وقعة بدر وبعيدها حتى إن ابن عباس - على ما نقل عنه - كان يسميها سورة بدر ، والتي تتعرض لأمر الغنيمة من آياتها خمس آيات في مواضع ثلاثة من السورة هي بحسب ترتيب السورة ، قوله تعالى:"يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول"الآية ، وقوله تعالى:"و اعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير"، وقوله تعالى:"ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لو لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم".