و يظهر بذلك أيضا: أن قوله:"قل الأنفال لله والرسول"حكم عام يشمل بعمومه الغنيمة وسائر الأموال الزائدة في المجتمع نظير الديار الخالية والقرى البائدة ورءوس الجبال وبطون الأودية وقطائع الملوك وتركة من لا وارث له ، أما الأنفال بمعنى الغنائم فهي متعلقة بالمقاتلين من المسلمين بعمل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبقي الباقي تحت ملك الله ورسوله.
هذا ما يفيده التأمل في كرائم الآيات ، وللمفسرين فيها أقاويل مختلفة تعلم بالرجوع إلى مطولات التفاسير لا جدوى في نقلها والتعرض المنقض والإبرام فيها.
قوله تعالى:"إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم"إلى آخر الآيتين الآيتان والتي بعدهما بيان ما يتميز به المؤمنون بحقيقة الإيمان ويختصون به من الأوصاف الكريمة والثواب الجزيل بينت ليتأكد به ما يشتمل عليه قوله تعالى:"فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم"إلى آخر الآية.
وقد ذكر الله تعالى لهم خمس صفات اختارها من بين جميع صفاتهم التي ذكرها في كلامه لكونها مستلزمة لكرائم صفاتهم على كثرتها وملازمة لحق الإيمان ، وهي بحيث إذا تنبهوا لها وتأملوها كان ذلك مما يسهل لهم توطين النفس على التقوى وإصلاح ذات بينهم ، وإطاعة الله ورسوله.
وهاتيك الصفات الخمس هي: وجل القلب عند ذكر الله ، وزيادة الإيمان عند استماع آيات الله ، والتوكل ، وإقامة الصلاة ، والإنفاق مما رزقهم الله ، ومعلوم أن الصفات الثلاث الأول من أعمال القلوب ، والأخيرتان من أعمال الجوارح.
وقد روعي في ذكرها الترتيب الذي بينها بحسب الطبع ، فإن نور الإيمان إنما يشرق على القلب تدريجا ، فلا يزال يشتد ويضاعف حتى يتم ويكمل بحقيقته ، فأول ما يشرق يتأثر القلب بالوجل والخشية إذا تذكر بالله عند ذكره ، وهو قوله تعالى:"إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم".
ثم لا يزال ينبسط الإيمان ويتعرق وينمو ويتفرع بالسير في الآيات الدالة عليه تعالى ، والهادية إلى المعارف الحقة ، فكلما تأمل المؤمن في شيء منها زادته إيمانا ، فيقوى الإيمان ويشتد حتى يستقر في مرحلة اليقين ، وهو قوله تعالى:"و إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا".
وإذا زاد الإيمان وكمل كمالا عرف عندئذ مقام ربه وموقع نفسه ، معرفة تطابق واقع الأمر ، وهو أن الأمر كله إلى الله سبحانه فإنه تعالى وحده هو الرب الذي إليه يرجع كل شيء ، فالواجب الحق على الإنسان أن يتوكل عليه ويتبع ما يريده منه بأخذه وكيلا في جميع ما يهمه في حياته ، فيرضى بما يقدر له في مسير الحياة ، ويجري على ما يحكم عليه من الأحكام ويشرعه من الشرائع فيأتمر بأوامره وينتهي عن نواهيه ، وهو قوله تعالى:"و على ربهم يتوكلون."
ثم إذا استقر الإيمان على كماله في القلب ، استوجب ذلك أن ينعطف العبد بالعبودية إلى ربه ، وينصب نفسه في مقام العبودية وإخلاص الخضوع وهو الصلاة ، وهي أمر بينه وبين ربه ، وأن يقوم بحاجة المجتمع في نواقص مساعيهم بالإنفاق على الفقراء مما رزقه الله من مال أو علم أو غير ذلك ، وهو أمر بينه وبين سائر أفراد مجتمعه ، وهو قوله تعالى:"الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون".
وقد ظهر مما تقدم أن قوله تعالى:"زادتهم إيمانا"إشارة إلى الزيادة من حيث الكيفية وهو الاشتداد والكمال ، دون الكمية وهي الزيادة من حيث عدد المؤمنين كما احتمله بعض المفسرين.
قوله تعالى:"أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم"قضاء منه تعالى بثبوت الإيمان حقا فيمن اتصف بما عده تعالى من الصفات الخمس ، ولذلك أطلق ما ذكره لهم من كريم الأجر في قوله:"لهم درجات عند ربهم"الآية فلهؤلاء من صفات الكمال وكريم الثواب وعظيم الأجر ما لكل مؤمن حقيقي.
وأما قوله:"لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم"فالمغفرة هي الصفح الإلهي عند ذنوبهم ، والرزق الكريم ما يرتزقون به من نعم الجنة ، وقد أراد الله سبحانه بالرزق الكريم الجنة ونعمها في مواضع من كلامه ، كقوله تعالى:"فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم:"الحج: - 51 وغير ذلك.
وبذلك يظهر أن المراد بقوله:"لهم درجات عند ربهم"مراتب القرب والزلفى ودرجات الكرامة المعنوية ، وهو كذلك.