على أنك عرفت أن ظاهر سياق الآيات أنها نزلت بعد غزوة بدر لا يومها ، وأن الآيات ذيل ما في صدر السورة من قوله:"يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول"الآية ، وللكلام تتمة ستوافيك في البحث الروائي إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى:"و من يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة"إلى آخر الآية.
التحرف.
الزوال عن جهة الاستواء إلى جهة الحرف وهو طرف الشيء وهو أن ينحرف وينعطف المقاتل من جهة إلى جهة أخرى ليتمكن من عدوه ويبادر إلى إلقاء الكيد عليه ، والتحيز هو أخذ الحيز وهو المكان ، والفئة القطعة من جماعة الناس ، والتحيز إلى فئة أن ينعطف المقاتل عن الانفراد بالعدو إلى فئة من قومه فيلحق بهم ويقاتل معهم.
والبواء الرجوع إلى مكان واستقرار فيه ، ولذا قال الراغب: أصل البواء مساواة الأجزاء في المكان خلاف النبوة الذي هو منافاة الأجزاء.
انتهى فمعنى قوله: باء بغضب من الله أي رجع ومعه غضب من الله.
فمعنى الآيتين: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا لقاء زحف أو زاحفين للقتال فلا تفروا منهم ومن يفر منهم يومئذ أي وقتئذ فقد رجع ومعه غضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير إلا أن يكون فراره للتحرف لقتال أو التحيز إلى فئة فلا بأس به.
قوله تعالى:"فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"إلى آخر الآية ، التدبر في السياق لا يدع شكا في أن الآية تشير إلى وقعة بدر وما صنعه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من رميهم بكف من الحصى ، والمؤمنون بوضع السيف فيهم وقتلهم القتل الذريع ، وذيل الآية أعني قوله: وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا يدل على أن الكلام جار مجرى الامتنان منه تعالى ، وقد أثبت تعالى عين ما نفاه في جملة واحدة أعني قوله:"و ما رميت إذ رميت".
فمن جميع هذه الشواهد يتحصل أن المراد بقوله:"فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"نفي أن تكون وقعة بدر وما ظهر فيها من استئصال المشركين والظهور عليهم والظفر بهم جارية على مجرى العادة والمعروف من نواميس الطبيعة ، وكيف يسع لقوم هم شرذمة قليلون ما فيهم على ما روي إلا فرس أو فرسان وبضعة أدرع وبضعة سيوف ، أن يستأصلوا جيشا مجهزا بالأفراس والأسلحة والرجال والزاد والراحلة ، هم أضعافهم عدة ولا يقاسون بهم قوة وشدة ، وأسباب الغلبة عندهم ، وعوامل البأس معهم ، والموقف المناسب للتقدم لهم.
إلا أن الله سبحانه بما أنزل من الملائكة ثبت أقدام المؤمنين وأرعب قلوب المشركين ، وألقى الهزيمة بما رماه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الحصاة عليهم فشملهم المؤمنين قتلا وأسرا فبطل بذلك كيدهم وخمدت أنفاسهم وسكنت أجراسهم.
فبالحري أن ينسب ما وقع عليهم من القتل بأيدي المؤمنين والرمي الذي شتت شملهم وألقى الهزيمة فيهم إليه سبحانه دون المؤمنين.
فما في الآية من النفي جار مجرى الدعوى بنوع من العناية ، بالنظر إلى استناد القتل بأطرافها إلى سبب إلهي غير عادي ، ولا ينافي ذلك استنادها بما وقع فيها من الوقائع إلى أسبابها القريبة المعهودة في الطبيعة بأن يعد المؤمنون قاتلين لمن قتلوا منهم ، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) راميا لما رماه من الحصاة.
وقوله:"و ليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا"الظاهر أن ضمير"منه"راجع إلى الله تعالى ، والجملة لبيان الغاية وهي معطوفة على مقدر محذوف ، والتقدير: إنما فعل الله ما فعل من قتلهم ورميهم لمصالح عظيمة عنده ، وليبلي المؤمنين ويمتحنهم بلاء وامتحانا حسنا أو لينعم عليهم بنعمة حسنة ، وهو إفناء خصمهم وإعلاء كلمة التوحيد بهم وإغناؤهم بما غنموا من الغنائم.
وقوله:"إن الله سميع عليم"تعليل لقوله:"و ليبلي المؤمنين"أي إنه تعالى يبليهم لأنه سميع باستغاثتهم عليم بحالهم فيبليهم منه بلاء حسنا.