فهرس الكتاب

الصفحة 1788 من 4314

قوله تعالى:"و لا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون"المعنى ظاهر وفيه نوع تعريض للمشركين إذ قالوا: سمعنا ، وهو لا يسمعون ، وقد حكى الله عنهم ذلك إذ قال بعد عدة آيات:"و إذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا": الأنفال: - 31 ، لكنهم كذبوا ولم يسمعوا ولو سمعوا لاستجابوا كما قال الله تعالى:"و لهم آذان لا يسمعون بها": الأعراف: - 179 ، وقال تعالى حكاية عن أصحاب السعير:"و قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير": الملك: - 10 فالمراد بالسمع في الآية الأولى تلقي الكلام الحق الذي هو صوت من طريق الأذن ، وفي الآية الثانية الانقياد لما يتضمنه الكلام الحق المسموع.

والآيتان - كما ترى - خطاب متعلق بالمؤمنين متصل نوع اتصال بالآية السابقة عليهما وتعريض للمشركين ، فهو تعالى لما التفت إلى المشركين فذمهم وتهكم عليهم بسؤالهم الفتح ، وذكر لهم أن الغلبة دائما لكلمة الإيمان على كلمة الكفر ولدعوة الحق على دعوة الباطل ، التفت إلى حزبه وهم المؤمنون فأمرهم بالطاعة له ولرسوله ، وحذرهم عن التولي عنه بعد استماع كلمة الحق ، وأن يكونوا كأولئك إذ قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون.

ومن الممكن أن يكون في الآية إشارة إلى عدة من أهل مكة آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولما تخلص قلوبهم من الشك خرجوا مع المشركين إلى بدر لحرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فابتلوا بما ابتلي به مشركوا قريش ، فقد ورد في الخبر: أن فئة من قريش أسلموا بمكة واحتبسهم آباؤهم فخرجوا مع قريش ، يوم بدر ، وهم قيس بن الوليد بن المغيرة ، وعلي بن أمية بن خلف ، والعاص بن منبه بن الحجاج ، والحارث بن زمعة ، وقيس بن الفاكه بن المغيرة ولما رأوا قلة المسلمين قالوا: مساكين هؤلاء غرهم دينهم ، وسيذكرهم الله بعد عدة آيات بقوله:"و إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم"الآية.

وربما قيل: إن المراد بالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون هم أهل الكتاب من يهود قريظة والنضير.

وهو بعيد.

قوله تعالى:"إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون"إلى آخر الآيتين.

تعريض وذم للذين سبق ذكرهم من الكفار على ما يعطيه سياق الكلام وما اشتملت عليه الآية من الموصول والضمائر المستعملة في أولي العقل ، وعلى هذا فالظاهر أن اللام في قوله:"الصم البكم"للعهد الذكري ، ويئول المعنى إلى أن شر جميع ما يدب على الأرض من أجناس الحيوان وأنواعها هؤلاء الصم البكم الذين لا يعقلون ، وإنما لم يعقلوا لأنه لا طريق لهم إلى تلقي الحق لفقدهم السمع والنطق فلا يسمعون ولا ينطقون.

ثم ذكر تعالى أن الله إنما ابتلاهم بالصمم والبكمة فلا يسمعون كلمة الحق ولا ينطقون بكلمة الحق ، وبالجملة حرمهم نعمة السمع والقبول ، لأنه تعالى لم يجد عندهم خيرا ولم يعلم به ولو كان لعلم ، لكن لم يعلم فلم يوفقهم للسمع والقبول ، ولو أنه تعالى رزقهم السمع والحال هذه لم يثبت السمع والقبول فيهم بل تولوا عن الحق وهم معرضون.

ومن هنا يعلم أن المراد بالخير حسن السريرة الذي يثبت به الاستعداد لقبول الحق ويستقر في القلب ، وأن المراد بقوله:"و لو أسمعهم"الأسماع على تقدير عدم الاستعداد الثابت المستقر فافهم ذلك فلا يرد أنه تعالى لو أسمعهم ورزقهم قبول الحق استلزم ذلك تحقق الخير فيهم ولا وجه مع ذلك لتوليهم وإعراضهم وذلك أن الشرط في قوله:"و لو أسمعهم"على تقدير فقدهم الخير على ما يفيده السياق.

قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم"لما دعاهم في قوله:"أطيعوا الله ورسوله"إلخ إلى إطاعة الدعوة الحقة وعدم التولي عنها بعد استماعها أكده ثانيا بالدعوة إلى استجابة الله والرسول في دعوة الرسول ، ببيان حقيقة الأمر والركن الواقعي الذي تعتمد عليه هذه الدعوة ، وهو أن هذه الدعوة دعوة إلى ما يحيي الإنسان بإخراجه من مهبط الفناء والبوار ، وموقفه في الوجود ، أن الله سبحانه أقرب إليه من قلبه وأنه سيحشر إليه فليأخذ حذره وليجمع همه ويعزم عزمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت