و قوله:"فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون"إلى آخر الآية من ملاحم القرآن والآية من سورة الأنفال النازلة بعد غزوة بدر فكأنها تشير إلى ما سيقع من غزوة أحد أو هي وغيرها ، وعلى هذا فقوله:"فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة"إشارة إلى غزوة أحد أو هي وغيرها ، وقوله:"ثم يغلبون"إلى فتح مكة ، وقوله:"و الذين كفروا إلى جهنم يحشرون"إلى حال من لا يوفق للإسلام منهم.
قوله تعالى:"ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون"الخباثة والطيب معنيان متقابلان وقد مر شرحهما والتمييز إخراج الشيء عما يخالفه وإلحاقه بما يوافقه بحيث ينفصل عما يخالفه ، والركم جمع الشيء فوق الشيء ومنه سحاب مركوم أي مجتمع الأجزاء بعضها إلى بعض ومجموعها وتراكم الأشياء تراكب بعضها بعضا.
والآية في موضع التعليل لما أخبر به في الآية السابقة من حال الكفار بحسب السنة الكونية ، وهو أنهم يسعون بتمام وجدهم ومقدرتهم إلى أن يطفئوا نور الله ويصدوا عن سبيل الله فينفقون في ذلك الأموال ويبذلون في طريقه المساعي غير أنهم لا يهتدون إلى مقاصدهم ولا يبلغون آمالهم بل تضيع أموالهم وتحبط أعمالهم وتضل مساعيهم ، ويرثون بذلك الحسرة والهزيمة.
وذلك أن هذه الأعمال والتقلبات تسير على سنة إلهية وتتوجه إلى غاية تكوينية ربانية ، وهي أن الله سبحانه يميز في هذا النظام الجاري الشر من الخير والخبيث من الطيب ويركم الخبيث بجعل بعضه على بعض ، ويجعل ما اجتمع منه وتراكم في جهنم وهي الغاية التي تسير إليها قافلة الشر والخبيث يحلها الجميع وهي دار البوار كما أن الخير والطيب إلى الجنة ، والأولون هم الخاسرون كما أن الآخرين هم الرابحون المفلحون.
ومن هنا يظهر أن قوله:"ليميز الله الخبيث من الطيب"إلخ قريب المضمون من قوله تعالى في مثل ضربه للحق والباطل:"أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض: الرعد: - 17 والآية تشير إلى قانون كلي إلهي وهو إلحاق فرع كل شيء بأصله."
قوله تعالى:"قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف"إلى آخر الآية الانتهاء الإقلاع عن الشيء لأجل النهي ، والسلوف التقدم ، والسنة هي الطريقة والسيرة.
أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبلغهم ذلك وفي معناه تطميع وتخويف وحقيقته دعوة إلى ترك القتال والفتنة ليغفر الله لهم بذلك ما تقدم من قتلهم وإيذائهم للمؤمنين فإن لم ينتهوا عما نهوا عنه فقد مضت سنة الله في الأولين منهم بالإهلاك والإبادة وخسران السعي.
قوله تعالى:"و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير"الآية وما بعدها يشتملان على تكليف المؤمنين بحذاء ما كلف به الكفار في الآية السابقة ، والمعنى: قل لهم أن ينتهوا عن المحادة لله ورسوله يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا إلى مثل ما عملوا فقد علموا بما جرى على سابقتهم قل لهم كذا وأما أنت والمؤمنون فلا تهنوا فيما يهمكم من إقامة الدين وتصفية جو صالح للمؤمنين ، وقاتلوهم حتى تنتهي هذه الفتن التي تفاجئكم كل يوم ، ولا تكون فتنة بعد فإن انتهوا فإن الله يجازيهم بما يرى من أعمالهم ، وإن تولوا عن الانتهاء فأديموا القتال والله مولاكم فاعلموا ذلك ولا تهنوا ولا تخافوا.
والفتنة ما يمتحن به النفوس وتكون لا محالة مما يشق عليها ، وغلب استعمالها في المقاتل وارتفاع الأمن وانتقاض الصلح ، وكان كفار قريش يقبضون على المؤمنين بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل الهجرة وبعدها إلى مدة في مكة ويعذبونهم ويجبرونهم على ترك الإسلام والرجوع إلى الكفر ، وكانت تسمى فتنة.