فهرس الكتاب

الصفحة 1841 من 4314

فالذي ينبغي أن يقال: إن قوله تعالى:"ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض"إن السنة الجارية في الأنبياء الماضين (عليهم السلام) أنهم كانوا إذا حاربوا أعداءهم وظفروا بهم ينكلونهم بالقتل ليعتبر به من وراءهم فيكفوا عن محادة الله ورسوله ، وكانوا لا يأخذون أسرى حتى يثخنوا في الأرض ، ويستقر دينهم بين الناس فلا مانع بعد ذلك من الأسر ثم المن أو الفداء كما قال تعالى فيما يوحي إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ما علا أمر الإسلام واستقر في الحجاز واليمن:"فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء:"سورة محمد: - 4.

والعتاب على ما يهدي إليه سياق الكلام في الآية الأولى إنما هو على أخذهم الأسرى كما يشهد به أيضا قوله في الآية الثانية:"لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم"أي في أخذكم وإنما كانوا أخذوا عند نزول الآيات الأسرى دون الفداء وليس العتاب على استباحة الفداء أو أخذه كما احتمل.

بل يشهد قوله في الآية التالية:"فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم"- حيث افتتحت بفاء التفريع التي تفرع معناها على ما تقدمها -: على أن المراد بالغنيمة ما يعم الفداء ، وأنهم اقترحوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يقتل الأسرى ويأخذ منهم الفداء كما سألوه عن الأنفال أو سألوه أن يعطيهموها كما في آية صدر السورة وكيف يتصور أن يسألوه الأنفال ، ولا يسألوه أن يأخذ الفداء وقد كان الفداء المأخوذ - على ما في الروايات - يقرب من مائتين وثمانين ألف درهم؟.

فقد كانوا سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعطيهم الغنائم ، ويأخذ لهم منهم الفداء فعاتبهم الله من رأس على أخذهم الأسرى ثم أباح لهم ما أخذوا الأسرى لأجله وهو الفداء لا لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شاركهم في استباحة الفداء واستشارهم في الفداء والقتل حتى يشاركهم في العتاب المتوجه إليهم.

ومن الدليل من لفظ الآية على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يشاركهم في العتاب إن العتاب في الآية متعلق بأخذ الأسرى وليس فيها ما يشعر بأنه استشارهم فيه أو رضي بذلك ولم يرد في شيء من الآثار أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) وصاهم بأخذ الأسرى ولا قال قولا يشعر بالرضا بذلك بل كان ذلك مما أقدمت عليه عامة المهاجرين والأنصار على قاعدتهم في الحروب: إذا ظفروا بعدوهم أخذوا الأسرى للاسترقاق أو الفداء فقد ورد في الآثار أنهم بالغوا في الأسر وكان الرجل يقي أسيره أن يناله الناس بسوء إلا علي (عليه السلام) فقد أكثر من قتل الرجال ولم يأخذ أسيرا.

فمعنى الآيات:"ما كان لنبي"ولم يعهد في سنة الله في أنبيائه"أن يكون له أسرى"ويحق له أن يأخذهم ويستدر على ذلك شيئا"حتى يثخن"ويغلظ"في الأرض"ويستقر دينه بين الناس"تريدون"أنتم معاشر أهل بدر - وخطاب الجميع بهذا العموم المشتمل على عتاب الجميع لكون أكثرهم متلبسين باقتراح الفداء على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) -"عرض الدنيا"ومتاعها السريع الزوال"و الله يريد الآخرة"بتشريع الدين والأمر بقتال الكفار ، ثم في هذه السنة التي أخبر بها في كلامه"و الله عزيز"لا يغلب"حكيم"لا يلغو في أحكامه المتقنة.

"لو لا كتاب من الله سبق"يقتضي أن لا يعذبكم ولا يهلككم ، وإنما أبهم لأن الإبهام أنسب في مقام المعاتبة ليذهب ذهن السامع كل مذهب ممكن ، ولا يتعين له فيهون عنده أمره"لمسكم فيما أخذتم"أي في أخذكم الأسرى فإن الفداء والغنيمة لم يؤخذا قبل نزول الآيات وإخبارهم بحليتها وطيبها"عذاب عظيم"وهو كما تقدم يدل على عظم المعصية لأن العذاب العظيم إنما يستحق بالمعصية العظيمة"فكلوا مما غنمتم"وتصرفوا فيما أحرزتم من الفائدة سواء كان مما تسلطتم عليه من أموال المشركين أو مما أخذتم منهم من الفداء"حلالا طيبا"أي حالكونه حلالا طيبا بإباحة الله سبحانه"و اتقوا الله إن الله غفور رحيم"وهو تعليل لقوله:"فكلوا مما غنمتم"إلخ أي غفرنا لكم ورحمناكم فكلوا مما غنمتم أو تعليل لجميع ما تقدم أي لم يعذبكم الله بل أباحه لكم لأنه غفور رحيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت