فهرس الكتاب

الصفحة 1906 من 4314

قوله تعالى:"و الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم"قال الراغب: الكنز جعل المال بعضه على بعض وحفظه ، وأصله من كنزت التمر في الوعاء ، وزمن الكناز وقت ما يكنز فيه التمر ، وناقة كناز مكتنزة اللحم ، وقوله:"و الذين يكنزون الذهب والفضة"أي يدخرونها ، انتهى.

ففي مفهوم الكنز حفظ المال المكنوز وادخاره ومنعه من أن يجري بين الناس في وجوه المعاملات فينمو نماء حسنا ، ويعم الانتفاع به في المجتمع فينتفع به هذا بالأخذ وذاك بالرد ، وذلك بالعمل عليه وقد كان دأبهم قبل ظهور البنوك والمخازن العامة أن يدفنوا الكنوز في الأرض سترا عليها من أن تقصد بسوء.

والآية وإن اتصلت في النظم اللفظي بما قبلها من الآيات الذامة لأهل الكتاب والموبخة لأحبارهم ورهبانهم في أكلهم أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله إلا أنه لا دليل من جهة اللفظ على نزولها فيهم واختصاصها بهم البتة.

فلا سبيل إلى القول بأن الآية إنما نزلت في أهل الكتاب وحرمت الكنز عليهم ، وأما المسلمون فهم وما يقتنون من ذهب وفضة يصنعون بأموالهم ما يشاءون من غير بأس عليهم.

والآية توعد الكانزين إيعادا شديدا ، ويهددهم بعذاب شديد غير أنها تفسر الكنز المدلول عليه بقوله:"الذين يكنزون الذهب والفضة"بقوله:"و لا ينفقونها في سبيل الله"فتدل بذلك على أن الذي يبغضه الله من الكنز ما يلازم الكف عن إنفاقه في سبيل الله إذا كان هناك سبيل.

وسبيل الله على ما يستفاد من كلامه تعالى هو ما توقف عليه قيام دين الله على ساقه وأن يسلم من انهدام بنيانه كالجهاد وجميع مصالح الدين الواجب حفظها ، وشئون مجتمع المسلمين التي ينفسخ عقد المجتمع لو انفسخت ، والحقوق المالية الواجبة التي أقام الدين بها صلب المجتمع الديني ، فمن كنز ذهبا أو فضة والحاجة قائمة والضرورة عاكفة فقد كنز الذهب والفضة ولم ينفقها في سبيل الله فليبشر بعذاب أليم فإنه آثر نفسه على ربه وقدم حاجة نفسه أو ولده الاحتمالية على حاجة المجتمع الديني القطعية.

ويستفاد هذا مما في الآية التالية من قوله:"هذا ما كنزتم لأنفسكم"فإنه يدل على أن توجه العتاب عليهم لكونهم خصوه بأنفسهم وآثروها فيما خافوا حاجتها إليه على سبيل الله الذي به حياة المجتمع الإنساني في الدنيا والآخرة ، وقد خانوا الله ورسوله في ذلك من جهة أخرى وهي الستر والتغييب إذ لو كان ظاهرا جاريا على الأيدي كان من الممكن أن يأمره ولي الأمر بإنفاقه في حاجة دينية قائمة لكن إذا كنز كنزا وأخفى عن الأنظار لم يلتفت إليه ، وبقيت الحاجة الضرورية قائمة في جانب والمال المكنوز الذي هو الوسيلة الوحيدة لرفع الحاجة في جانب مع عدم حاجة من كنزه إليه.

فالآية إنما تنهى عن الكنز لهذه الخصيصة التي هي إيثار الكانز نفسه بالمال من غير حاجة إليه على سبيل الله مع قيام الحاجة إليه ، وناهيك أن الإسلام لا يحد أصل الملك من جهة الكمية بحد فلو كان لهذا الكانز أضعاف ما كنزه من الذهب والفضة ولم يدخرها كنزا بل وضعها في معرض الجريان يستفيد به لنفسه الوفا والوفا ، ويفيد غيره ببيع أو شراء أو عمل وغير ذلك لم يتوجه إليه نهي ديني لأنه حيث نصبها على أعين الناس وأجراها في مجرى النماء الصالح النافع لم يخفها ولم يمنعها من أن يصرف في سبيل الله فهو وإن لم ينفقها في سبيل الله إلا أنه بحيث لو أراد ولي أمر المسلمين لأمره بالإنفاق فيما يرى لزوم الإنفاق فيه فليس هو إذا لم ينفق وهو بمرأى ومسمع من ولي الأمر بخائن ظلوم.

فالآية ناظرة إلى الكنز الذي يصاحبه الامتناع عن الإنفاق في الحقوق المالية الواجبة لا بمعنى الزكاة الواجبة فقط بل بمعنى يعمها وغيرها من كل ما يقوم عليه ضرورة المجتمع الديني من الجهاد وحفظ النفوس من الهلكة ونحو ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت