فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 4314

قوله تعالى: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ، ذكر بعض المفسرين أن المعنى ومن أي مكان خرجت ، وفي أي بقعة حللت فول وجهك وذكر بعضهم أن المعنى ومن حيث خرجت من البلاد ، ويمكن أن يكون المراد بقوله ومن حيث خرجت مكة ، التي خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منها كما قال تعالى"من قريتك التي أخرجتك": محمد - 13 ويكون المعنى أن استقبال البيت حكم ثابت لك في مكة وغيرها من البلاد والبقاع ، وفي قوله وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون تأكيد وتشديد.

قوله تعالى: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ، تكرار الجملة الأولى بلفظها لعله للدلالة على ثبوت حكمها على أي حال ، فهو كقول القائل ، اتق الله إذا قمت واتق الله إذا قعدت ، واتق الله إذا نطقت ، واتق الله إذا سكت ، يريد: التزم التقوى عند كل واحدة من هذه الأحوال ولتكن معك ، ولو قيل اتق الله إذا قمت وإذا قعدت وإذا نطقت وإذا سكت فاتت هذه النكتة ، والمعنى استقبل شطر المسجد الحرام من التي خرجت منها وحيث ما كنتم من الأرض فولوا وجوهكم شطره.

قوله تعالى: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ، بيان لفوائد ثلاث في هذا الحكم الذي فيه أشد التأكيد على ملازمة الامتثال والتحذر عن الخلاف: إحداها: أن اليهود كانوا يعلمون من كتبهم أن النبي الموعود تكون قبلته الكعبة دون بيت المقدس ، كما قال تعالى: وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم الآية ، وفي ترك هذا الحكم الحجة لليهود على المسلمين بأن النبي ليس هو النبي الموعود لكن التزام هذا الحكم والعمل به يقطع حجتهم إلا الذين ظلموا منهم ، وهو استثناء منقطع ، أي لكن الذين ظلموا منهم باتباع الأهواء لا ينقطعون بذلك فلا تخشوهم لأنهم ظالمون باتباع الأهواء ، والله لا يهدي القوم الظالمين واخشوني.

وثانيتها: أن ملازمة هذا الحكم يسوق المسلمين إلى تمام النعمة عليهم بكمال دينهم ، وسنبين معنى تمام النعمة في الكلام على قوله تعالى"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي": المائدة - 4.

وثالثتها: رجاء الاهتداء إلى الصراط المستقيم ، وقد مر معنى الاهتداء في الكلام على معنى قوله تعالى"اهدنا الصراط المستقيم": فاتحة الكتاب - 6.

وذكر بعض المفسرين أن اشتمال هذه الآية وهي آية - تحويل القبلة - على قوله وليتم نعمته عليكم ولعلكم تهتدون ، مع اشتمال قوله تعالى في سورة الفتح في ذكر فتح مكة على هاتين الجملتين ، إذ قال تعالى"إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما": الفتح - 2 يدل على كونها مشتملة على البشارة بفتح مكة.

بيان ذلك أن الكعبة كانت مشغولة في صدر الإسلام بأصنام المشركين وأوثانهم وكان السلطان معهم ، والإسلام لم يقو بعد بحيث يظهر قهره وقدرته ، فهدى الله رسوله إلى استقبال بيت المقدس ، لكونه قبلة لليهود ، الذين هم أقرب في دينهم من المشركين إلى الإسلام ، ثم لما ظهر أمر الإسلام بهجرة رسول الله إلى المدينة ، وقرب زمان الفتح وتوقع تطهير البيت من أرجاس الأصنام جاء الأمر بتحويل القبلة وهي النعمة العظيمة التي اختص به المسلمون ، ووعد في آية التحويل إتمام النعمة والهداية وهو خلوص الكعبة من أدناس الأوثان ، وتعينها لأن تكون قبلة يعبد الله إليها ، ويكون المسلمون هم المختصون بها ، وهي المختصة بهم ، فهي بشارة بفتح مكة ، ثم لما ذكر فتح مكة حين فتحت أشار إلى ما وعدهم به من إتمام النعمة والبشارة بقوله ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت