فهرس الكتاب

الصفحة 2011 من 4314

الضر بالضم ما يمس الإنسان من الضرر في نفسه ، وقوله:"دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما"أي دعانا منبطحا لجنبه إلخ ، والظاهر أن الترديد للتعميم أي دعانا على أي حال من أحواله فرض من انبطاح أو قعود أو قيام مصرا على دعائه لا ينسانا في حال ويمكن أن يكون"لجنبه"إلخ ، أحوالا ثلاثة من الإنسان لا من فاعل دعانا والعامل فيه"مس"والمعنى إذا مس الإنسان الضر وهو منبطح أو قاعد أو قائم دعانا في تلك الحال وهذا معنى ما ورد في بعض المرسلات:"دعانا لجنبه"العليل الذي لا يقدر أن يجلس"أو قاعدا"الذي لا يقدر أن يقوم"أو قائما"الصحيح.

وقوله:"مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه"كناية عن النسيان والغفلة عما كان لا يكاد ينساه.

والمعنى: وإذا مس الإنسان الضر لم يزل يدعونا لكشف ضره وأصر على الدعاء فإذا كشفنا عنه ضره الذي مسه نسينا وترك ذكرنا وانجذبت نفسه إلى ما كان يتمتع به من أعماله كذلك زين للمسرفين المفرطين في التمتع بالزخارف الدنيوية أعمالهم فأورثهم نسيان جانب الربوبية والإعراض عن ذكر الله تعالى.

وفي الآية بيان السبب في تمادي منكري المعاد في غيهم وضلالتهم وخصوصية سببه وهو أن هؤلاء مثلهم كمثل الإنسان يمسه الضر فيذكر ربه ويلح عليه بالدعاء لكشف ضره حتى إذا كشف عنه الضر - ولذلك كان يدعوه - مر لوجهه متوغلا في شهواته وقد نسي ما كان يدعوه ويذكره فلم يكن تركه لدعاء ربه بعد ذكره إلا معلولا لما زين له من عمله فأورثه النسيان بعد الذكر.

فكذلك هؤلاء المسرفون زين لهم أعمالهم فجذبتهم إلى نفسها فنسوا ربهم بعد ذكره ، وقد ذكرهم الله مقامه بإرسال الرسل إلى من قبلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا وإهلاك القرون من قبلهم بظلمهم وهذه هي السنة الإلهية يجزي القوم المجرمين.

ومن هنا يظهر أن الآية التالية:"و لقد أهلكنا القرون من قبلكم"إلخ ، متمم للبيان في هذه الآية:"و إذا مس الإنسان الضر دعانا إلى آخر الآية."

قوله تعالى:"و لقد أهلكنا القرون من قبلكم"إلى آخر الآية ، قد ظهر معناه مما تقدم ، وفي الآية التفات في قوله:"من قبلكم"من الغيبة إلى الخطاب ، وكان النكتة فيه التشديد في الإنذار لأن الإنذار والتخويف بالمشافهة أوقع أثرا وأبلغ من غيره.

ثم في قوله:"كذلك نجزي القوم المجرمين التفات آخر بتوجيه الخطاب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والنكتة فيه أنه إخبار عن السنة الإلهية في أخذ المجرمين ، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الأهل لفهمه والإذعان بصدقه دونهم ولو أذعنوا بصدقة لآمنوا به ولم يكفروا ، وهذا بخلاف قوله:"و لقد أهلكنا القرون من قبلكم... وجاءتهم رسلهم"فإنه خبر تاريخي لا ضير في تصديقهم به."

قوله تعالى:"ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون"معناه ظاهر ، وفيه بيان أن سنة الامتحان والابتلاء عامة جارية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت