فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 4314

و من الآيات قوله تعالى:"قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل": المؤمن - 11 ، فهنا إلى يوم البعث - وهو يوم قولهم هذا - إماتتان وإحيائان ، ولن تستقيم المعنى إلا بإثبات البرزخ ، فيكون إماتة وإحياء في البرزخ وإحياء في يوم القيامة ، ولو كان أحد الإحيائين في الدنيا والآخر في الآخرة لم يكن هناك إلا إماتة واحدة من غير ثانية ، وقد مر كلام يتعلق بالمقام في قوله تعالى:"كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم": البقرة - 28 فارجع.

ومن الآيات قوله تعالى:"و حاق بآل فرعون سوء العذاب النار. يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب": المؤمن - 46 ، إذ من المعلوم أن يوم القيامة لا بكرة فيه ولا عشي فهو يوم غير اليوم.

والآيات التي تستفاد منها هذه الحقيقة القرآنية ، أو تومىء إليها كثيرة ، كقوله تعالى:"تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم": النحل - 63 ، إلى غير ذلك.

تجرد النفس

ويتبين بالتدبر في الآية ، وسائر الآيات التي ذكرناها حقيقة أخرى أوسع من ذلك ، وهي تجرد النفس ، بمعنى كونها أمرا وراء البدن وحكمها غير حكم البدن وسائر التركيبات الجسمية ، لها نحو اتحاد بالبدن تدبرها بالشعور والإرادة وسائر الصفات الإدراكية ، والتدبر في الآيات السابقة الذكر يجلي هذا المعنى فإنها تفيد أن الإنسان بشخصه ليس بالبدن ، لا يموت بموت البدن ، ولا يفنى بفنائه ، وانحلال تركيبه وتبدد أجزائه ، وأنه يبقى بعد فناء البدن في عيش هنيء دائم ، ونعيم مقيم ، أو في شقاء لازم ، وعذاب أليم ، وأن سعادته في هذه العيشة ، وشقاءه فيها مرتبطة بسنخ ملكاته وأعماله ، لا بالجهات الجسمانية والأحكام الاجتماعية.

فهذه معان تعطيها هذه الآيات الشريفة ، وواضح أنها أحكام تغاير الأحكام الجسمانية ، وتتنافى الخواص المادية الدنيوية من جميع جهاتها ، فالنفس الإنسانية غير البدن.

ومما يدل عليه من الآيات قوله تعالى:"الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى": الزمر - 42 ، والتوفي والاستيفاء هو أخذ الحق بتمامه وكماله ، وما تشتمل عليه الآية: من الأخذ والإمساك والإرسال ظاهر في المغايرة بين النفس والبدن.

ومن الآيات قوله تعالى:"و قالوا أ إذا ضللنا في الأرض أ إنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون": السجدة - 11 ، ذكر سبحانه شبهة من شبهات الكفار المنكرين للمعاد ، وهو أنا بعد الموت وانحلال تركيب أبداننا تتفرق أعضاؤنا ، وتبدد أجزاؤنا ، وتتبدل صورنا فنضل في الأرض ، ويفقدنا حواس المدركين ، فكيف يمكن أن نقع ثانيا في خلق جديد؟ وهذا استبعاد محض ، وقد لقن تعالى على رسوله: الجواب عنه ، بقوله: قل: يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم الآية ، وحاصل الجواب أن هناك ملكا موكلا بكم هو يتوفاكم ويأخذكم ، ولا يدعكم تضلوا وأنتم في قبضته وحفاظته ، وما تضل في الأرض إنما هو أبدانكم لا نفوسكم التي هي المدلول عليها بلفظ كم فإنه يتوفاكم.

ومن الآيات قوله تعالى:"و نفخ فيه من روحه"الآية: السجدة - 9 ، ذكره في خلق الإنسان ثم قال تعالى:"يسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي": الإسراء - 85 ، فأفاد أن الروح من سنخ أمره ، ثم عرف الأمر في قوله تعالى:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء": يس - 83 فأفاد أن الروح من الملكوت ، وأنها كلمة كن ثم عرف الأمر بتوصيفه بوصف آخر بقوله:"و ما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر": القمر - 50 ، والتعبير بقوله: كلمح بالبصر يعطي أن الأمر الذي هو كلمة كن موجود دفعي الوجود غير تدريجية ، فهو يوجد من غير اشتراط وجوده وتقييده بزمان أو مكان ، ومن هنا يتبين أن الأمر - ومنه الروح شيء غير جسماني ولا مادي فإن ، الموجودات المادية الجسمانية من أحكامها العامة أنها تدريجية الوجود ، مقيدة بالزمان والمكان ، فالروح التي للإنسان ليست بمادية جسمانية ، وإن كان لها تعلق بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت