فهرس الكتاب

الصفحة 2042 من 4314

و عطيته إذا نسبت إلى مطلق خلقه كانت هي ما ينسب إليه تعالى من وجودهم وبقائهم ورزقهم الذي يمد به بقاؤهم وسائر ما ينعم به عليهم من نعمة التي لا تحصى كثرة وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ، وإذا نسبت إلى المؤمنين خاصة كانت هي ما يختص بهم من سعادة الحياة الإنسانية بمظاهرها المختلفة التي ينعم الله بها عليهم من المعارف الحقة الإلهية والأخلاق الكريمة والأعمال الصالحة ، والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة والجنة والرضوان.

ومن ثم إذا وصف القرآن بأنه رحمة للمؤمنين كان معناه أنه يغشى المؤمنين أنواع الخيرات والبركات التي كنزها الله فيه لمن تحقق بحقائقها وتلبس بمعانيها ، قال تعالى:"و ننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا:"إسراء: - 82.

وإذا أخذت هذه النعوت الأربعة التي عدها الله سبحانه للقرآن في هذه الآية أعني أنه موعظة وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة ، وقيس بعضها إلى بعض ثم اعتبرت مع القرآن كانت الآية بيانا جامعا لعامة أثره الطيب الجميل وعلمه الزاكي الطاهر الذي يرسمه في نفوس المؤمنين منذ أول ما يقرع أسماعهم إلى آخر ما يتمكن من نفوسهم ويستقر في قلوبهم.

فإنه يدركهم أول ما يدركهم وقد غشيهم يم الغفلة وأحاطت بهم لجة الحيرة فأظلمت باطنهم بظلمات الشك والريب ، وأمرضت قلوبهم بأدواء الرذائل وكل صفة أو حالة ردية خبيثة فيعظهم موعظة حسنة ينبههم بها عن رقدة الغفلة ، ويزجرهم عما بهم من سوء السريرة والأعمال السيئة ، ويبعثهم نحو الخير والسعادة.

ثم يأخذ في تطهير سرهم عن خبائث الصفات ، ولا يزال يزيل آفات العقول وأمراض القلوب واحدا بعد آخر حتى يأتي على آخرها.

ثم يدلهم على المعارف الحقة والأخلاق الكريمة والأعمال الصالحة دلالة بلطف برفعهم درجة بعد درجة ، وتقريبهم منزلة فمنزلة حتى يستقروا في مستقر المقربين ، ويفوزوا فوز المخلصين.

ثم يلبسهم لباس الرحمة وينزلهم دار الكرامة ويقرهم على أريكة السعادة حتى يلحقهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ، ويدخلهم في زمرة عبادة المقربين في أعلى عليين.

فالقرآن واعظ شاف لما في الصدور هاد إلى مستقيم الصراط مفيض للرحمة بإذن الله سبحانه ، وإنما يعظ بما فيه ويشفي الصدور ويهدي ويبسط الرحمة بنفسه لا بأمر آخر فإنه السبب الموصول بين الله وبين خلقه فهو موعظة وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين.

فافهم ذلك.

وقد افتتح سبحانه الآية بقوله:"يا أيها الناس"وهو خطاب لعامة الناس دون المشركين أو مشركي مكة خاصة وإن كانت الآية واقعة في سياق الكلام معهم وذلك لأن النعوت المذكورة فيها بقوله:"قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين"تتعلق بعامتهم دون قبيل خاص منهم.

ومن غريب التفسير قول بعضهم: إن المراد بالرحمة ما يتصف به المؤمنون من الرحمة والرأفة فيما بينهم وهو خطأ يدفعه السياق البتة.

قوله تعالى:"قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون"الفضل هو الزيادة ، وتسمى العطية فضلا لأن المعطي إنما يعطي غالبا ما لا يحتاج إليه من المال ففي تسمية ما يفيضه الله على عباده فضلا إشارة إلى غناه تعالى وعدم حاجته في إفاضته إلى ما يفيضه ولا إلى من يفيض عليه.

وليس من البعيد أن يكون المراد بالفضل ما يبسطه الله من عطائه على عامة خلقه ، وبالرحمة خصوص ما يفيضه على المؤمنين فإن رحمة السعادة الدينية إذا انضمت إلى النعمة العامة من حياة ورزق وسائر البركات العامة كان المجموع منهما أحق بالفرح والسرور وأحرى بالانبساط والابتهاج.

ومن الممكن أن يتأيد ذلك بقوله:"بفضل الله وبرحمته"حيث أدخلت باء السببية على كل من الفضل والرحمة ، وهو مشعر بكون كل واحد منهما سببا مستقلا وإن جمع بينهما ثانيا بقوله:"فبذلك فليفرحوا"للدلالة على استحقاق مجموعهما لأن ينحصر فيه الفرح.

ويمكن أن يكون المراد بالفضل غير الرحمة من الأمور المذكورة في الآية السابقة أعني الموعظة وشفاء ما في الصدر والهدى ، والمراد بالرحمة الرحمة بمعناها المذكور في الآية السابقة وهي العطية الخاصة الإلهية التي هي سعادة الحياة في الدنيا والآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت