فهرس الكتاب

الصفحة 2058 من 4314

و أكده بتقريره في جانب الإثبات بقوله في الآية التالية:"و يحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون"كما سيأتي توضيحه.

قوله تعالى:"و يحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون"لما كشف الله عن الحقيقة المتقدمة في جانب النفي بقوله:"إن الله لا يصلح عمل المفسدين"أبان عنه في جانب الإثبات أيضا في هذه الآية بقوله:"و يحق الله الحق بكلماته"وقد جمع تعالى بين معنيي النفي والإثبات في قوله:"ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون:"الأنفال: - 8.

ومن هنا يقوى احتمال أن يكون المراد بالكلمات في الآية أقسام الأقضية الإلهية في شئون الأشياء الكونية الجارية على الحق فإن قضاء الله ماض وسنته جارية أن يضرب الحق والباطل في نظام الكون ثم لا يلبث الباطل دون أن يفنى ويعفى أثره ويبقى الحق على جلائه ، وذلك قوله تعالى:"أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض:"الرعد: - 17 ، وسيجيء استيفاء البحث فيه في ذيل الآية إن شاء الله تعالى.

والحاصل أن موسى (عليه السلام) إنما ذكر هذه الحقيقة لهم ليوقفهم على سنة إلهية حقة غفلوا عنها ، وليهيىء نفوسهم لما سيظهره عملا من غلبة الآية المعجزة على السحر وظهور الحق على الباطل ، ولذا بادروا إلى الإيمان حين شاهدوا المعجزة ، وألقوا أنفسهم على الأرض ساجدين على ما فصله الله سبحانه في مواضع أخرى من كلامه.

وقوله:"و لو كره المجرمون"ذكر الإجرام من بين أوصافهم لأن فيه معنى القطع فكأنهم قطعوا سبيل الحق على أنفسهم وبنوا على ذلك بنيانهم فهم على كراهية من ظهور الحق ، ولذلك نسب الله كراهة ظهور الحق إليهم بما هم مجرمون في قوله:"و لو كره المجرمون"وفي معناه قوله في أول الآيات:"فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين".

قوله تعالى:"فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم"إلى آخر الآيتين ذكر بعض المفسرين أن الضمير في"قومه"راجع إلى فرعون ، والذرية الذين آمنوا من قومه كانت أمهاتهم من بني إسرائيل وآباؤهم من القبط فتبعوا أمهاتهم في الإيمان بموسى ، وقيل: الذرية بعض أولاد القبط ، وقيل: أريد بها امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون ، وقد ذكرا في القرآن وجارية وامرأة هي مشاطة امرأة فرعون.

وذكر آخرون أن الضمير لموسى (عليه السلام) والمراد بالذرية جماعة من بني إسرائيل تعلموا السحر وكانوا من أصحاب فرعون ، وقيل: هم جميع بني إسرائيل وكانوا ستمائة ألف نسمة سماهم ذرية لضعفهم ، وقيل: ذرية آل إسرائيل ممن بعث إليهم موسى وقد هلكوا بطول العهد ، وهذه الوجوه - كما ترى - لا دليل على شيء منها في الآيات من جهة اللفظ.

والذي يفيده السياق وهو الظاهر من الآية أن يكون الضمير راجعا إلى موسى والمراد بالذرية من قوم موسى بعض الضعفاء من بني إسرائيل دون ملئهم الأقوياء والشرفاء ، والاعتبار يساعد على ذلك فإنهم جميعا كانوا أسراء للقبط محكومين بحكمهم بأجمعهم ، والعادة الجارية في أمثال هذه الموارد أن يتوسل الشرفاء والأقوياء بأي وسيلة أمكنت إلى حفظ مكانتهم الاجتماعية وجاههم القومي ، ويتقربوا إلى الجبار المسيطر عليهم بإرضائه بالمال والتظاهر بالخدمة ومراءاة النصح والتجنب عما لا يرتضيه فلم يكن في وسع الملإ من بني إسرائيل أن يعلنوا موافقة موسى على بغيته ، ويتظاهروا بالإيمان به.

على أن قصص بني إسرائيل في القرآن أعدل شاهد على أن كثيرا من عتاة بني إسرائيل ومستكبريهم لم يؤمنوا بموسى إلى أواخر عهده وإن كانوا يتسلمون له ويطيعونه في عامة أوامره التي كان يصدرها لبذل المساعي في سبيل نجاة بني إسرائيل لما كان فيها صلاح قوميتهم وحرية شعبهم ومنافع أشخاصهم ، فالإطاعة في هذه الأمور أمر والإيمان بالله وما جاء به الرسول أمر آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت