فهرس الكتاب

الصفحة 2060 من 4314

و أما قوله:"و بشر المؤمنين"فالسياق يدل على أن المراد به البشارة بإجابة ما سألوه في دعائهم المذكور آنفا:"ربنا لا تجعلنا فتنة"إلى آخر الآيتين.

والمعنى: وأوحينا إلى موسى وأخيه أن اتخذا لقومكما مساكن من البيوت في مصر - وكأنهم لم يكونوا إلى ذاك الحين إلا كهيئة البدويين يعيشون في الفساطيط أو عيشة تشبهها - واجعلا أنتما وقومكما بيوتكم متقابلة وفي جهة واحدة يتصل بذلك بعضكم ببعض ويتمشى أمر التبليغ والمشاورة والاجتماع في الصلوات ، وأقيموا الصلاة وبشر يا موسى أنت المؤمنين بأن الله سينجيهم من فرعون وقومه.

قوله تعالى:"و قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا"إلخ ، الزينة بناء نوع من الزين وهي الهيأة التي تجذب النفس إلى الشيء ، والنسبة بين الزينة والمال العموم من وجه فبعض الزينة ليس بمال يبذل بإزائه الثمن كحسن الوجه واعتدال القامة ، وبعض المال ليس بزينة كالأنعام والأراضي ، وبعض المال زينة كالحلي والتقابل الواقع بين الزينة والمال يعطي أن يكون المراد بالزينة جهة الزينة من غير نظر إلى المالية كالحلي والرياش والأثاث والأبنية الفاخرة وغيرها.

وقوله:"ربنا ليضلوا عن سبيلك"قيل اللام للعاقبة ، والمعنى وعاقبة أمرهم أنهم يضلون عن سبيلك ولا يجوز أن يكون لام الغرض لأنا قد علمنا بالأدلة الواضحة أن الله سبحانه لا يبعث الرسول ليأمر الخلق بالضلال ولا يريد أيضا منهم الضلال ، وكذلك لا يؤتيهم المال ليضلوا.

انتهى.

وهو حق لكن في الإضلال الابتدائي المستحيل عليه تعالى ، وأما الإضلال بعنوان المجازاة ومقابلة السوء بالسوء فلا دليل على امتناعه على الله سبحانه بل يثبته كلامه في موارد كثيرة ، وقد كان فرعون وملؤه مصرين على الاستكبار والإفساد ملحين على الإجرام فلا مانع من أن يؤتيهم الله بذلك زينة وأموالا ليضلوا عن سبيله جزاء بما كسبوا.

وربما قيل: إن اللام في"ليضلوا"للدعاء ، وربما قيل: إن الكلام بتقدير لا أي لئلا يضلوا عن سبيلك ، والسياق لا يساعد على شيء من الوجهين.

والطمس - كما قيل - تغير إلى الدثور والدروس فمعنى"اطمس على أموالهم"غيرها إلى الفناء والزوال ، وقوله:"و اشدد على قلوبهم"من الشد المقابل للحل أي أقس قلوبهم واربط عليها ربطا لا ينشرح للحق فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم فهو الطبع على القلوب ، وقول بعضهم: إن المراد بالشد تثبيتهم على المقام بمصر بعد الطمس على أموالهم ليكون ذلك أشد عليهم وآلم ، وكذا قول آخرين: إنه كناية عن إماتتهم وإهلاكهم من الوجوه البعيدة.

فمعنى الآية: وقال موسى - وكان ذلك بعد يأسه من إيمان فرعون وملئه ويقينه بأنهم لا يدومون إلا على الضلال والإضلال كما يدل عليه سياق كلامه في دعائه - ربنا إنك جازيت فرعون وملأه على كفرهم وعتوهم جزاء السوء فآتيتهم زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا إرادة منك لأن يضلوا من اتبعهم عن سبيلك ، وإرادتك لا تبطل وغرضك لا يلغو ربنا أدم على سخطك عليهم واطمس على أموالهم وغيرها عن مجرى النعمة إلى مجرى النقمة واجعل قلوبهم مشدودة مربوطة فلا يؤمنوا حتى يقفوا موقفا لا ينفعهم الإيمان وهو زمان يرون فيه العذاب الإلهي.

وهذا الدعاء من موسى (عليه السلام) على فرعون وملئه إنما هو بعد يأسه التام من إيمانهم ، وعلمه أنه لا يترقب منهم في الحياة إلا أن يضلوا ويضلوا كدعاء نوح على قومه فيما حكاه الله:"رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا:"نوح: - 27 ، وحاشا ساحة الأنبياء (عليهم السلام) أن يتكلموا على الخرص والمظنة في موقف يشافهون فيه رب العالمين جلت كبرياؤه وعز شأنه.

قوله تعالى:"قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون"الخطاب - على ما يدل عليه السياق - لموسى وهارون ولم يحك الدعاء في الآية السابقة إلا عن موسى ، وهذا يؤيد ما ذكره المفسرون: أن موسى (عليه السلام) كان يدعو ، وكان هارون يؤمن له وآمين دعاء فقد كانا معا يدعوان وإن كان متن الدعاء لموسى (عليه السلام) وحده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت