فهرس الكتاب

الصفحة 2079 من 4314

و من المعلوم أن البلاء والامتحان أمر مقصود لغيره وهو تمييز الجيد من الردي والحسن من السيىء ، وكذلك الحسنة والسيئة إنما يراد تمييزهما لأجل ما يترتب عليهما من الجزاء ، وكذلك الجزاء إنما يراد لأجل ما فيه من إنجاز الوعد الحق ولذلك نجده تعالى يذكر كل واحد من هذه الأمور المترتبة غاية للخلقة فقال في كون الابتلاء غاية للخلقة:"إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا:"الكهف: - 7 ، وقال في معنى التمييز والتمحيص:"ليميز الله الخبيث من الطيب:"الأنفال: - 37 ، وقال في خصوص الجزاء:"و خلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون:"الجاثية: - 22 وقال في كون الإعادة لإنجاز الوعد:"كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين:"الأنبياء: - 104 إلى غير ذلك من الآيات ، وقال في كون العبادة غرضا في خلق الثقلين:"و ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون:"الذاريات: - 56.

وعد العمل الصالح أو الإنسان المحسن غاية للخلقة لا ينافي اشتمال الخلقة على غايات أخرى بعد ما كان الإنسان أحد تلك الغايات حقيقة لأن الوحدة والاتصال الحاكم على العالم يصحح كون كل واحد من أنواع الموجودات غاية للخلقة بما أنه محصول الارتباط ونتيجة الازدواج العام بين أجزائه فمن الجائز أن يخاطب كل نوع من أنواع الخليقة أنه المطلوب المقصود من خلق السماوات والأرض بما أنها تؤدي إليه.

على أن الإنسان أكمل وأتقن المخلوقات الجسمانية من السماوات والأرض وما فيهما صنعا ولئن نمى في جانب العلم والعمل نماء حسنا كان أفضل ذاتا مما سواه وأرفع مقاما وأعلى درجة من غيره وإن كان بعض الخليقة كالسماء أشد منه خلقا كما ذكره الله تعالى ومن المعلوم أن كمال الصنع هو المقصود منه إذا اشتمل على ناقص ولذا كنا نعد مراحل وجود الإنسان المختلفة من المنوية والجنينية والطفولية وغيرها مقدمة لوجود الإنسان السوي الكامل وهكذا.

وبهذا البيان يظهر أن أفضل أفراد الإنسان - إن كان فيهم من هو أفضل مطلقا - غاية لخلق السماوات والأرض ، ولفظ الآية أيضا لا يخلو عن إشارة أو دلالة على ذلك فإن قوله:"أيكم أحسن عملا"يفيد أن القصد إلى تمييز من هو أحسن عملا من غيره سواء كان ذلك الغير محسنا أو مسيئا فمن كان عمله أحسن من سائر الأفراد سواء كانوا محسنين وأعمالهم دون عمله أو مسيئين كان تمييزه منهم هو الغرض المقصود من الخلقة ، وبذلك يستصح ما ورد في الحديث القدسي من خطابه تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) :"لولاك لما خلقت الأفلاك"فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل الخلق.

وفي المجمع ،: قال الجبائي: وفي الآية دلالة على أنه كان قبل خلق السماوات والأرض والملائكة لأن خلق العرش على الماء لا وجه لحسنه إلا أن يكون فيه لطف لمكلف يمكنه الاستدلال به فلا بد حينئذ من حي مكلف ، وقال علي بن عيسى: لا يمتنع أن يكون في الإخبار بذلك مصلحة للمكلفين فلا يجب ما قاله الجبائي وهو الذي اختاره المرتضى قدس الله روحه.

انتهى.

أقول: وما ذكراه مبنى على ما ذهب إليه المعتزلة: أن أفعال الله سبحانه معللة بالأغراض وتابعة للمصالح وجهات الحسن ولو كان ذلك بأن يخلق خلقا ليخبر بذلك المكلفين فيعتبروا به ويؤمنوا له فيتم بذلك مصلحة من مصالحهم ، وقد تقدم في أبحاثنا السابقة أن الله سبحانه لا يحكم عليه ولا يؤثر فيه غيره سواء كان ذلك الغير مصلحة أو أي شيء آخر مفروض وأن غيره أي شيء فرض مخلوق له مدبر بأمره إن كان أمرا ذا واقعية ووجود إن الحكم إلا لله والله خالق كل شيء.

فجهات الحسن والمصلحة وهي التي تحكم علينا وتبعثنا نحو أفعالنا أمور خارجة عن أفعالنا مؤثرة فينا من جهة كوننا فاعلين نروم بها إلى سعادة الحياة ، وأما هو سبحانه فإنه أجل من ذلك.

وذلك أن جهات الحسن والمصلحة هذه إنما هي قوانين عامة مأخوذة من نظام الكون والروابط الدائرة بين أجزاء الخلقة ، ومن الضروري أن الكون وما فيه من النظام الجاري فعله سبحانه ، ومن الممتنع جدا أن يتقدم المفهوم المنتزع على ما انتزع منه من الفعل ثم يتخطاه ولا يقنع حتى يتقدم على فاعله الموجد له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت