فهرس الكتاب

الصفحة 2108 من 4314

و قد ظهر مما تقدم أن الآية ، أعني قوله:"يا قوم أ رأيتم إن كنت"إلخ ، جواب عن قولهم:"ما نراك إلا بشرا مثلنا"ويظهر بذلك فساد قول بعضهم: إنه جواب عن قولهم:"بل نظنكم كاذبين"وقول آخرين: إنه جواب عن قولهم:"ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادىء الرأي"وقول طائفة أخرى أنه جواب عن قولهم:"و ما نرى لكم علينا من فضل"ولا نطيل الكلام بالتعرض لتوضيحها وردها.

قوله تعالى:"و يا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله"يريد به الجواب عما اتهموه به من الكذب ولازمه أن تكون دعوته طريقا إلى جلب أموالهم وأخذ ما في أيديهم طمعا فيه فإنه إذا لم يسألهم شيئا من أموالهم لم يكن لهم أن يتهموه بذلك.

قوله تعالى:"و ما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون"جواب عن قولهم:"و ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادىء الرأي"وقد بدل لفظة الأراذل - وهي لفظة إرزاء وتحقير - من قوله: الذين آمنوا تعظيما لأمر إيمانهم وإشارة إلى ارتباطهم بربهم.

نفى في جوابه أن يكون يطردهم وعلل ذلك بقوله:"إنهم ملاقوا ربهم"إيذانا بأن لهم يوما يرجعون فيه إلى الله فيحاسبهم على أعمالهم فيجازيهم على ما عملوه من خير أو شر فحسابهم على ربهم وليس لغيره من الأمر شيء ، فليس على نوح (عليه السلام) أن يحاسبهم فيجازيهم بشيء لكن القوم لجهالتهم يتوقعون على الفقراء والمساكين والضعفاء أن يطردوا من مجتمع الخير ويسلبوا النعمة والشرافة والكرامة.

فظهر أن المراد بقوله:"إنهم ملاقوا ربهم"الإيمان إلى محاسبة الله سبحانه إياهم يوم يرجعون فيه إليه فيلاقونه كما وقع في نظير هذا المعنى في قوله تعالى:"و لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين:"الأنعام: - 57.

وأما قول من قال: إن معنى قوله:"إنهم ملاقوا ربهم"إنه لا يطردهم لأنهم ملاقوا ربهم فيجازي من ظلمهم وطردهم ، أو أنهم ملاقوا ثواب ربهم فكيف يكونون أراذل وكيف يجوز طردهم وهم لا يستحقون ذلك ، فبعيد عن الفهم.

على أن أول المعنيين يجعل الآية التالية أعني قوله:"و يا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم"الآية زائدة مستغنى عنها كما هو ظاهر.

وظهر أيضا أن المراد بقوله:"و لكني أراكم قوما تجهلون"جهلهم بأمر المعاد وأن الحساب والجزاء إلى الله لا إلى غيره ، وأما ما ذكره بعضهم أن المراد به الجهالة المضادة للعقل والحلم أي تسفهون عليهم أو المراد أنكم تجهلون أن حقيقة الامتياز بين إنسان وإنسان باتباع الحق وعمل البر والتحلي بالفضائل لا بالمال والجاه كما تظنون فهو معنى بعيد عن السياق.

قوله تعالى:"و يا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أ فلا تذكرون"النصر مضمن معنى المنع أو الإنجاء ونحوهما والمعنى من يمنعني أو من ينجيني من عذاب الله إن طردتهم أ فلا تتذكرون أنه ظلم ، والله سبحانه ينتصر للمظلوم من الظالم وينتقم منه ، والعقل جازم بأن الله سبحانه لا يساوي بين الظالم والمظلوم ، ولا يدع الظالم يظلم دون أن يجازيه على ظلمه بما يسوؤه ويشفي به غليل صدر المظلوم والله عزيز ذو انتقام.

قوله تعالى:"و لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك"جواب عن قولهم:"و ما نرى لكم علينا من فضل"يرد عليهم قولهم بأني لست أدعي شيئا من الفضل الذي تتوقعون مني أن أدعيه بما أني أدعي الرسالة فإنكم تزعمون أن على الرسول أن يملك خزائن الرحمة الإلهية فيستقل بإغناء الفقير وشفاء العليل وإحياء الموتى والتصرف في السماء والأرض وسائر أجزاء الكون بما شاء وكيف شاء.

وأن يملك علم الغيب فيحصل على كل خير محجوب عن العيون مستور عن الأبصار فيجلبه إلى نفسه ، ويدفع كل شر مستقبل كامن عن نفسه وبالجملة يستكثر من الخيرات ويصان من المكاره.

وأن يرتفع عن درجة البشرية إلى مقام الملكية أي يكون ملكا منزها من ألواث الطبيعة ومبرى من حوائج البشرية ونقائصها فلا يأكل ولا يشرب ولا ينكح ولا يقع في تعب اكتساب الرزق واقتناء لوازم الحياة وأمتعتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت