فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
و كثيرا ما حكاه في نفسه بصورة إنسان فوق السماوات جالس على عرش الملك يدبر أمر العالم بالتفكر ويتممه بالإرادة والمشية والأمر والنهي ، وقد صرحت التوراة الموجودة بأن الله سبحانه كذلك ، وأنه تعالى خلق الإنسان على صورته ، وظاهر الأناجيل أيضا ذلك.
فقد تحصل أن الأقرب إلى طبع الإنسان وخاصة الإنسان الأولي الساذج أن يصنع لربه المنزه عن الشبه والمثل صورة يضاهي بها الذوات الجسمانية وتناسب الأوصاف والنعوت التي يصفها بها كما يمثل الثالوث بإنسان ذو وجوه ثلاثة كأن كلا من النعوت العامة وجه للرب يواجه به خلقه.
2 -الإقبال إلى الله بالعبادة:
إذا قضى الإنسان أن للعالم إلها خلقه بعلمه وقدرته لم يكن له بد من أن يخضع له خضوع عبادة اتباعا للناموس العالم الكوني وهو خضوع الضعيف للقوي ومطاوعة العاجز للقادر ، وتسليم الصغير الحقير للعظيم الكبير فإنه ناموس عام جار في الكون حاكم في جميع أجزاء الوجود ، وبه يؤثر الأسباب في مسبباتها وتتأثر المسببات عن أسبابها.
وإذا ظهر الناموس المذكور لذوات الشعور والإرادة من الحيوان كان مبدأ للخضوع والمطاوعة من الضعيف للقوي كما نشاهده من حال الحيوانات العجم إذا شعر الضعيف منها بقوة القوي آئسا من الظهور عليه والقدرة على مقاومته.
وظهوره في العالم الإنساني أوسع وأبين من سائر الحيوان لما في هذا النوع من عمق الإدراك وخصيصة الفكر فهو متفنن في إجرائه في غالب مقاصده وأعماله جلبا للنفع أو دفعا للضرر كخضوع الرعية للسلطان والفقير للغني والمرءوس للرئيس والمأمور للآمر والخادم للمخدوم والمتعلم للعالم والمحب للمحبوب والمحتاج للمستغني والعبد للسيد والمربوب للرب.
وجميع هذه الخضوعات من نوع واحد وهو تذلل وهوان نفساني قبال عزة وقهر مشهود ، والعمل البدني الذي يظهر هذا التذلل والهوان هي العبادة أيا ما كانت؟ وممن ولمن تحققت؟ ولا فرق في ذلك بين الخضوع للرب تعالى وبينه إذا تحقق من العبد بالنسبة إلى مولاه أو من الرعية بالنسبة إلى السلطان أو من المحتاج بالنسبة إلى المستغني أو غير ذلك فالجميع عبادة.
وعلى أي حال لا سبيل إلى ردع الإنسان عن هذا الخضوع لاستناده إلى قضاء فطري ليس للإنسان أن يتجافى عنه إلا أن يتبين له أن الذي كان يظنه قويا ويستضعف نفسه دونه ليس على ما كان يظنه بل هما سواء مثلا.
ومن هنا ما نرى أن الإسلام لم ينه عن اتخاذ آلهة دون الله وعبادتهم إلا بعد ما بين للناس أنهم مخلوقون مربوبون أمثالهم ، وأن العزة والقوة لله جميعا قال تعالى:"إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم:"الأعراف: - 194 وقال:"و الذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون:"الأعراف: - 198 وقال تعالى:"قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون:"آل عمران: - 64 ختم الآية بحديث التسليم لله تعالى بعد ما دعاهم إلى ترك عبادة غير الله تعالى من الآلهة ورفض الخضوع لسائر المخلوقين المماثلين لهم وقال تعالى:"إن القوة لله جميعا:"البقرة: - 165 ، وقال:"فإن العزة لله جميعا:"النساء: - 139 وقال:"ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع:"الم السجدة: - 4 إلى غير ذلك من الآيات.
فليس عند غيره تعالى ما يدعو إلى الخضوع له فلا يسوغ الخضوع لأحد ممن دونه إلا أن يئول إلى الخضوع لله ويرجع تعزيره أو تعظيمه وولايته إلى ناحيته قال تعالى:"الذين يتبعون الرسول النبي الأمي - إلى أن قال - فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون:"الأعراف: - 157 ، وقال:"إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا - إلى قوله - وهم راكعون:"المائدة: - 55 ، وقال:"و المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر:"التوبة: - 71 ، وقال:"و من يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب:"الحج: - 32 ، فلا خضوع في الإسلام لأحد دون الله إلا ما يرجع إليه تعالى ويقصد به.
3 -كيف نشأت الوثنية؟