فهرس الكتاب

الصفحة 2154 من 4314

و الظاهر أن الفطر هو الإيجاد عن عدم بحت ، والخصوصية المفهومة من مثل قوله:"فطرة الله التي فطر الناس عليها"إنما نشأت من بناء النوع الذي تشتمل عليه فطرة وهي فعلة ، وعلى هذا فتفسير بعضهم الفطرة بالخلقة بعيد من الصواب ، وإنما الخلق هو إيجاد الصورة عن مادة على طريق جمع الأجزاء ، قال تعالى:"و إذ تخلق من الطين كهيئة الطير:"المائدة: - 110.

والكلام مسوق لرفع التهمة والعبث والمعنى يا قوم لا أسألكم على ما أدعوكم أجرا وجزاء حتى تتهموني أني أستدر به نفعا يعود إلي وإن أضر بكم ، ولست أدعوكم من غير جزاء مطلوب حتى يكون عبثا من الفعل بل إنما أطلب به جزاء من الله الذي أوجدني وأبدعني أ فلا تعقلون عني ما أقوله لكم حتى يتضح لكم أني ناصح لكم في دعوتي ، ما أريد إلا أن أحملكم على الحق.

قوله تعالى:"و يا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا"إلى آخر الآية تقدم الكلام في معنى قوله:"استغفروا ربكم ثم توبوا إليه"في صدر السورة.

وقوله:"يرسل السماء عليكم مدرارا"في موقع الجزاء لقوله:"استغفروا ربكم"إلخ ، أي إن تستغفروه وتتوبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ، والمراد بالسماء السحاب فإن كل ما علا وأظل فهو سماء ، وقيل المطر وهو شائع في الاستعمال ، والمدرار مبالغة من الدر ، وأصل الدر اللبن ثم استعير للمطر ولكل فائدة ونفع فإرسال السماء مدرارا إرسال سحب تمطر أمطارا متتابعة نافعة تحيى بها الأرض وينبت الزرع والعشب ، وتنضر بها الجنات والبساتين.

وقوله:"و يزدكم قوة إلى قوتكم"قيل المراد بها زيادة قوة الإيمان على قوة الأبدان وقد كان القوم أولي قوة وشدة في أبدانهم ولو أنهم آمنوا انضافت قوة الإيمان على قوة أبدانهم وقيل المراد بها قوة الأبدان كما قال نوح لقومه:"استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين:"نوح: - 12 ولعل التعميم أولى.

وقوله:"و لا تتولوا مجرمين"بمنزلة التفسير لقوله:"استغفروا ربكم ثم توبوا إليه"أي إن عبادتكم لما اتخذتموه من الآلهة دون الله إجرام منكم ومعصية توجب نزول السخط الإلهي عليكم فاستغفروا الله من إجرامكم وارجعوا إليه بالإيمان حتى يرحمكم بإرسال سحب هاطلة ممطرة وزيادة قوة إلى قوتكم.

وفي الآية"أولا"إشعار أو دلالة على أنهم كانوا مبتلين بإمساك السماء والجدب والسنة كما ربما أومأ إليه قوله:"يرسل السماء"وكذا قولهم على ما حكاه الله تعالى في موضع آخر:"فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم:"الأحقاف: - 24.

وثانيا: أن هناك ارتباطا تاما بين الأعمال الإنسانية وبين الحوادث الكونية التي تمسه فالأعمال الصالحة توجب فيضان الخيرات ونزول البركات ، والأعمال الطالحة تستدعي تتابع البلايا والمحن ، وتجلب النقمة والشقوة والهلكة كما يشير إليه قوله تعالى:"و لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض:"الآية الأعراف: - 96 ، وقد تقدم تفصيل الكلام فيه في بيان الآيات 94 - 102 من سورة الأعراف في الجزء الثامن من الكتاب ، وفي أحكام الأعمال في الجزء الثاني منه.

قوله تعالى:"قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين"سألهم هود في قوله:"يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره"إلى آخر الآيات الثلاث أمرين هما أن يتركوا آلهتهم ويعودوا إلى عبادة الله وحده وأن يؤمنوا به ويطيعوه فيما ينصح لهم فردوا عليه القول بما في هذه الآية إجمالا وتفصيلا: أما إجمالا فبقولهم:"ما جئتنا ببينة"يعنون أن دعوتك خالية عن الحجة والآية المعجزة ولا موجب للإصغاء إلى ما هذا شأنه.

وأما تفصيلا فقد أجابوا عن دعوته إياهم إلى رفض الشركاء بقولهم:"و ما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك"وعن دعوته إياهم إلى الإيمان والطاعة بقولهم:"و ما نحن لك بمؤمنين"فآيسوه في كلتا المسألتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت