و أما كون الصيحة من جبرئيل فلا ينافي كونها صاعقة سماوية نازلة عليهم إماتتهم بصوتها وأحرقتهم بنارها إذ لا مانع من نسبة حادث من الحوادث الكونية خارق للعادة أو جار عليها إلى ملك روحاني إذا كان هو في مجرى صدوره كما أن سائر الحوادث الكونية من الموت والحياة والرزق وغيرها منسوبة إلى الملائكة العمالة.
وقوله (عليه السلام) : إنهم قد كانوا في الثلاثة الأيام قد تحنطوا وتكفنوا كأنه كناية عن تهيئهم للموت.
وقد وقع في بعض الروايات في وصف الناقة أنه كانت بين جنبيها مسافة ميل وهو مما يوهن الرواية لا لاستحالة وقوعه فإن ذلك ممكن الدفع من جهة أن كينونتها كانت عن إعجاز بل لأن اعتبار النسبة بين أعضائها حينئذ يوجب بلوغ ارتفاع سنامها مما يقرب من ثلاثة أميال ولا يتصور مع ذلك أن يتمكن واحد من الناس من قتله بسيفه ولم يقع ذلك عن إعجاز من عاقر الناقة قطعا ، ومع ذلك لا يخلو قوله تعالى:"لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم"من دلالة أو إشعار على كون جثتها عظيمة جدا.
كلام في قصة صالح في فصول
1 -ثمود قوم صالح (عليه السلام)
: ثمود قوم من العرب العاربة كانوا يسكنون وادي القرى بين المدينة والشام ، وهم من بشر ما قبل التاريخ لا يضبط التاريخ إلا شيئا يسيرا من أخبارهم ، ولقد عفت الدهور آثارهم فلا اعتماد على ما يذكر من جزئيات قصصهم.
والذي يقصه كتاب الله من أخبارهم أنهم كانوا أمة من العرب على ما يدل عليه اسم نبيهم وقد كان منهم هود: 61 نشئوا بعد قوم عاد ولهم حضارة ومدنية يعمرون الأرض ويتخذون من سهولها قصورا وينحتون من الجبال بيوتا آمنين الأعراف: 74 ومن شغلهم الفلاحة بإجراء العيون وإنشاء الجنات والنخيل والحرث الشعراء: 148.
كانت ثمود تعيش على سنة الشعوب والقبائل يحكم فيهم سادتهم وشيوخهم وقد كانت في المدينة التي بعث فيها صالح تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون النمل: 48 فطغوا في الأرض وعبدوا الأصنام وأفرطوا عتوا وظلما.
2 -بعثة صالح (عليه السلام)
: لما نسيت ثمود ربها وأسرفوا في أمرهم أرسل الله إليهم صالحا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان من بيت الشرف والفخار معروفا بالعقل والكفاية هود 62 - النمل 49 فدعاهم إلى توحيد الله سبحانه وأن يتركوا عبادة الأصنام وأن يسيروا في مجتمعهم بالعدل والإحسان ، ولا يعلوا في الأرض ولا يسرفوا ولا يطغوا وأنذرهم بالعذاب"هود - الشعراء - الشمس وغيرها."
فقام (عليه السلام) بالدعوة إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة وصبر على الأذى في جنب الله فلم يؤمن به إلا جماعة قليلة من ضعفائهم الأعراف: 75 وأما الطغاة المستكبرون وعامة من تبعهم فأصروا على كفرهم واستذلوا الذين آمنوا به ورموه بالسفاهة والسحر الأعراف 66 - الشعراء 153 - النمل 47.
وطلبوا منه البينة على مقاله ، وسألوه آية معجزة تدل على صدقه في دعوى الرسالة ، واقترحوا له أن يخرج لهم من صخر الجبل ناقة فأتاهم بناقة على ما وصفوها به ، وقال لهم: إن الله يأمركم أن تشربوا من عين مائكم يوما وتكفوا عنها يوما فتشربها الناقة فلها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم ، وأن تذروها تأكل في أرض الله كيف شاءت ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب الأعراف 72 - هود 64 - الشعراء 156.
وكان الأمر على ذلك حينا ثم إنهم طغوا ومكروا وبعثوا أشقاهم لقتل الناقة فعقرها ، وقالوا لصالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين.
قال صالح (عليه السلام) : تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب: هود - 65.
ثم مكرت شعوب المدينة وأرهاطها بصالح وتقاسموا بينهم لنبيتنه وأهله ثم نقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ، ومكروا مكرا ومكر الله مكرا وهم لا يشعرون النمل 50 فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون: الذاريات - 44 والرجفة والصيحة فأصبحوا في دارهم جاثمين فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين الأعراف 79 - هود 67 وأنجى الله الذين آمنوا وكانوا يتقون حم السجدة 18 ونادى بعدهم المنادي الإلهي: ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود.
3 -شخصية صالح (عليه السلام)
: لم يرد لهذا النبي الصالح في التوراة الحاضرة ذكر.