فهرس الكتاب

الصفحة 2188 من 4314

و قوله:"إني أراكم بخير"أي أشاهدكم في خير ، وهو ما أنعم الله تعالى عليكم من المال وسعة الرزق والرخص والخصب فلا حاجة لكم إلى نقص المكيال والميزان ، واختلاس اليسير من أشياء الناس طمعا في ذلك من غير سبيله المشروع وظلما وعتوا ، وعلى هذا فقوله:"إني أراكم بخير"تعليل لقوله:"و لا تنقصوا المكيال والميزان".

ويمكن تعميم الخير بأن يراد به أنكم مشمولون لعناية الله معنيون بنعمه آتاكم عقلا ورشدا ورزقكم رزقا فلا مسوغ لأن تعبدوا الآلهة من دونه وتشركوا به غيره ، وأن تفسدوا في الأرض بنقص المكيال والميزان ، وعلى هذا يكون تعليلا لما تقدمه من الجملتين أعني قوله:"اعبدوا الله"إلخ ، وقوله:"و لا تنقصوا"إلخ ، كما أن قوله:"و إني أخاف عليكم عذاب يوم محيط"كذلك.

فمحصل قوله:"إني أراكم"إلى آخر الآية أن هناك رادعين يجب أن يردعاكم عن معصية الله: أحدهما: أنكم في خير ولا حاجة لكم إلى بخس أموال الناس من غير سبيل حلها.

وثانيهما: أن وراء مخالفة أمر الله يوما محيطا يخاف عذابه.

وليس من البعيد أن يراد بقوله:"إني أراكم بخير"إني أراكم برؤية خير أي أنظر إليكم نظر الناصح المشفق الذي لا يصاحب نظره إلا الخير ولا يريد بكم غير السعادة ، وعلى هذا يكون قوله:"و إني أخاف عليكم عذاب يوم محيط"كعطف التفسير بالنسبة إليه.

وقوله:"و إني أخاف عليكم عذاب يوم محيط"يشير به إلى يوم القيامة أو يوم نزول عذاب الاستئصال ومعنى كون اليوم - وهو يوم القضاء بالعذاب - محيطا أنه لا مخرج منه ولا مفر ولا ملاذ من دون الله فلا يدفع فيه ناصر ولا معين ، ولا ينفع فيه توبة ولا شفاعة ، ويئول معنى الإحاطة إلى كون العذاب قطعيا لا مناص منه ومعنى الآية أن للكفر والفسوق عذابا غير مردود أخاف أن يصيبكم ذلك.

قوله تعالى:"و يا قوم أوفوا المكيال والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم"إلخ ، الإيفاء إعطاء الحق بتمامه والبخس النقص كرر القول في المكيال والميزان بالأخذ بالتفصيل بعد الإجمال مبالغة في الاهتمام بأمر لا غنى لمجتمعهم عنه ، وذلك أنه دعاهم أولا إلى الصلاح بالنهي عن نقص المكيال والميزان ، وعاد ثانيا فأمر بإيفاء المكيال والميزان ونهى عن بخس الناس أشياءهم إشارة إلى أن مجرد التحرز عن نقص المكيال والميزان لا يكفي في إعطاء هذا الأمر حقه - وإنما نهى عنه أولا لتكون معرفة إجمالية هي كالمقدمة لمعرفة التكليف تفصيلا - بل يجب أن يوفي الكائل والوازن مكياله وميزانه ويعطياهما حقهما ولا يبخسا ولا ينقصا الأشياء المنسوبة إلى الناس بالمعاملة حتى يعلما أنهما أديا إلى الناس أشياءهم وردا إليهم مالهم على ما هو عليه.

وقوله:"و لا تعثوا في الأرض مفسدين"قال الراغب: العيث والعثي يتقاربان نحو جذب وجبذ إلا أن العيث أكثر ما يقال في الفساد الذي يدرك حسا والعثي فيما يدرك حكما يقال: عثي يعثى عثيا ، وعلى هذا"و لا تعثوا في الأرض مفسدين"وعثا يعثو عثوا.

انتهى.

وعلى هذا فقوله:"مفسدين"حال من ضمير"لا تعثوا"لإفادة التأكيد نظير ما يفيده قولنا: لا تفسدوا إفسادا.

والجملة أعني قوله:"و لا تعثوا في الأرض مفسدين"نهي مستأنف عن الفساد في الأرض من قتل أو جرح أو أي ظلم مالي أو جاهي أو عرضي لكن لا يبعد أن يستفاد من السياق كون الجملة عطفا تفسيريا للنهي السابق فيكون نهيا تأكيديا عن التطفيف ونقص المكيال والميزان لأنه من الفساد في الأرض.

بيان ذلك: أن الاجتماع المدني الدائر بين أفراد النوع الإنساني مبني على المبادلة حقيقة فما من مواصلة ومرابطة بين فردين من أفراد النوع إلا وفيه إعطاء وأخذ فلا يزال المجتمعون يتعاونون في شئون حياتهم يفيد فيه الواحد غيره ليستفيد منه ما يماثله أو يزيد عليه ويدفع إليه نفعا ليجذب منه إلى نفسه نفعا وهو المعاملة والمبادلة.

ومن أظهر مصاديق هذه المبادلة المعاملات المالية وخاصة في الأمتعة التي لها حجم أو وزن مما يكتال أو يوزن فإن ذلك من أقدم ما تنبه الإنسان لوجوب إجراء سنة المبادلة فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت