و قد أدوا مرادهم هذا في صورة بديعة مشوبة بالتهكم واللوم معا ومسبوكة في قالب الاستفهام الإنكاري وهو أن الذي تريده منا من ترك عبادة الأصنام ، وترك ما شئنا من التصرف في أموالنا هو الذي بعثتك إليه صلاتك وشوهته في عينك فأمرتك به لما أنها ملكتك لكنك أردت منا ما أرادته منك صلاتك ولست تملكنا أنت ولا صلاتك لأننا أحرار في شعورنا وإرادتنا لنا أن نختار أي دين شئنا ونتصرف في أموالنا أي تصرف أردنا من غير حجر ولا منع ولم ننتحل إلا ديننا الذي هو دين آبائنا ولم نتصرف إلا في أموالنا ولا حجر على ذي مال في ماله.
فما معنى أن تأمرك إياك صلاتك بشيء ونكون نحن الممتثلون لما أمرتك به؟ وبعبارة أخرى ما معنى أن تأمرك صلاتك بفعلنا القائم بنا دونك؟ فهل هذا إلا سفها من الرأي؟ وإنك لأنت الحليم الرشيد والحليم لا يعجل في زجر من يراه مسيئا وانتقام من يراه مجرما حتى ينجلي له وجه الصواب ، والرشيد لا يقدم على أمر فيه غي وضلال فكيف أقدمت على مثل هذا الأمر السفهي الذي لا صورة له إلا الجهالة والغي؟ وقد ظهر بهذا البيان أولا: أنهم إنما نسبوا الأمر إلى الصلاة لما فيها من البعث والدعوة إلى معارضة القوم في عبادتهم الأصنام ونقصهم المكيال والميزان ، وهذا هو السر في تعبيرهم عن ذلك بقولهم:"أ صلاتك تأمرك أن نترك"إلخ ، دون أن يقولوا: أ صلاتك تنهاك أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ مع أن التعبير عن المنع بالنهي عن الفعل أقرب إلى الطبع من التعبير بالأمر بالترك ولذلك عبر عنه شعيب بالنهي في جوابه عن قولهم إذ قال:"و ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه"ولم يقل إلى ما آمركم بتركه.
والمراد - على أي حال - منعه إياهم عن عبادة الأصنام والتطفيف فافهم ذلك فإنه من لطائف هذه الآية التي ملئت لطافة وحسنا.
وثانيا: أنهم إنما قالوا:"أن نترك ما يعبد آباؤنا"دون أن يقولوا: أن نترك آلهتنا أو أن نترك الأوثان ليشيروا بذلك إلى الحجة في ذلك وهي أن هذه الأصنام دام على عبادتها آباؤنا فهي سنة قومية لنا ، ولا ضير في الجري على سنة قومية ورثها الخلف من السلف ، ونشأ عليها الجيل بعد الجيل فإنا نعبد آلهتنا وندوم على ديننا وهو دين آبائنا ونحفظ رسما مليا عن الضيعة.
وثالثا: أنهم إنما قالوا:"أن نفعل في أموالنا"فذكروا الأموال مضافة إلى أنفسهم ليكون في ذلك إيماء إلى الحجة فإن الشيء إذا صار مالا لأحد لم يشك ذو ريب في أن له أن يتصرف فيه وليس لغيره ممن يعترف بماليته له أن يعارضه في ذلك ، وللمرء أن يسير في مسير الحياة ويتدبر في أمر المعيشة بما يستطيعه من الحذق والاحتيال ، ويهديه إليه الذكاء والكياسة.
ورابعا: أن قولهم:"أ صلاتك تأمرك - إلى قوله - إنك لأنت الحليم الرشيد"مبني على التهكم والاستهزاء إلا أن التهكم في تعليقهم أمر الصلاة شعيبا على تركهم ما يعبد آباؤهم ، وكذا في نسبة الأمر إلى الصلاة لا غير ، وأما نسبة الحلم والرشد إليه فليس فيها تهكم واستهزاء ، ولذلك أكد قوله:"إنك لأنت الحليم الرشيد"بإن واللام وإتيان الخبر جملة اسمية ليكون أقوى في إثبات الحلم والرشد له فيصير أبلغ في ملامته والإنكار عليه ، وأن الذي لا شك في حلمه ورشده قبيح عليه أن يقدم على مثل هذا الأمر السفهي ، وينتهض على سلب حرية الناس واستقلالهم في الشعور والإرادة.
وظهر بذلك أن ما ذكره كثير منهم أنهم وصفوه بالحلم والرشد على سبيل الاستهزاء يعنون به أنه موصوف بضدهما وهو الجهالة والغي.
ليس بصواب.
قوله تعالى:"قال يا قوم أ رأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا"إلى آخر الآية ، المراد بكونه على بينة من ربه كونه على آية بينة وهي آية النبوة والمعجزة الدالة على صدق النبي في دعوى النبوة ، والمراد بكونه رزق من الله رزقا حسنا أن الله آتاه من لدنه وحي النبوة المشتمل على أصول المعارف والشرائع ، وقد مر توضيح نظير هاتين الكلمتين فيما تقدم.