فهرس الكتاب

الصفحة 2247 من 4314

و لم يزل يوسف (عليه السلام) كلما قصده قاصد بسوء أنجاه الله منه وجعل فيه ظهور كرامته وجمال نفسه ، وكلما سير به في مسير أو ركب في سبيل يهديه إلى هلكة أو رزية هداه الله بعين ذلك السبيل إلى غاية حسنة ومنقبة شريفة ظاهرة ، وإلى ذلك يشير يوسف (عليه السلام) حيث يعرف نفسه لإخوته ويقول:"أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين": الآية 91 من السورة ، ويقول لأبيه بحضرة من إخوته:"يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي"ثم تأخذه الجذبية الإلهية فيقبل بكلية نفسه الوالهة إلى ربه ويعرض عن غيره فيقول:"رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة": الآية 101 من السورة.

وفي قوله تعالى:"للسائلين"دلالة على أنه كان هناك جماعة سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن القصة أو عما يرجع بوجه إلى القصة فأنزلت في هذه السورة.

قوله تعالى:"إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين"ذكر في المجمع ، أن العصبة هي الجماعة التي يتعصب بعضها لبعض ، ويقع على جماعة من عشرة إلى خمسة عشر ، وقيل: ما بين العشرة إلى الأربعين ، ولا واحد له من لفظه كالقوم والرهط والنفر.

انتهى.

وقوله:"إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا"القائلون هم أبناء يعقوب ما خلا يوسف وأخاه الذي ذكروه معه ، وكانت عدتهم عشرة وهم رجال أقوياء بيدهم تدبير بيت أبيهم يعقوب وإدارة مواشيه وأمواله كما يدل عليه قولهم:"و نحن عصبة".

وقولهم:"ليوسف وأخوه"بنسبته إلى يوسف مع أنهم جميعا أبناء ليعقوب وإخوة فيما بينهم يشعر بأن يوسف وأخاه هذا كانا أخوين لأم واحدة وأخوين لهؤلاء القائلين لأب فقط ، الروايات تذكر أن اسم أخي يوسف هذا"بنيامين"، والسياق يشهد أنهما كانا صغيرين لا يقومان بشيء من أمر بيت يعقوب وتدبير مواشيه وأمواله.

وقولهم:"و نحن عصبة"أي عشرة أقوياء مشدود ضعف بعضنا بقوة بعض ، وهو حال عن الجملة السابقة يدل على حسدهم وحنقهم لهما وغيظهم على أبيهم يعقوب في حبه لهما أكثر منهم ، وهو بمنزلة تمام التعليل لقولهم بعده:"إن أبانا لفي ضلال مبين".

وقولهم:"إن أبانا لفي ضلال مبين"قضاء منهم على أبيهم بالضلال ويعنون بالضلال الاعوجاج في السليقة وفساد السيرة دون الضلال في الدين.

أما أولا: فلأن ذلك هو مقتضى ما تذاكروا فيما بينهم إنهم جماعة إخوان أقوياء متعاضدون متعصب بعضهم لبعض يقومون بتدبير شئون أبيهم الحيوية وإصلاح معاشه ودفع كل مكروه يواجهه ، ويوسف وأخوه طفلان صغيران لا يقويان من أمور الحياة على شيء ، وليس كل منهما إلا كلا عليه وعليهم ، وإذا كان كذلك كان توغل أبيهم في حبهما واشتغاله بكليته بهما دونهم وإقباله عليهما بالإعراض عنهم طريقة معوجة غير مرضية فإن حكمة الحياة تستدعي أن يهتم الإنسان بكل من أسبابه ووسائله على قدر ما له من التأثير ، وقصر الإنسان اهتمامه على من هو كل عليه ولا يغني عنه طائلا ، والإعراض عمن بيده مفاتيح حياته وأزمة معاشه ليس إلا ضلالا من صراط الاستقامة واعوجاجا في التدبير ، وأما الضلال في الدين فله أسباب أخر كالكفر بالله وآياته ومخالفة أوامره ونواهيه.

وأما ثانيا: فلأنهم كانوا مؤمنين بالله مذعنين بنبوة أبيهم يعقوب كما يظهر من قولهم:"و تكونوا من بعده قوما صالحين"وقولهم أخيرا:"يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا": الآية 97 من السورة وقولهم ليوسف أخيرا:"تالله لقد آثرك الله علينا"وغير ذلك ، ولو أرادوا بقولهم:"إن أبانا لفي ضلال مبين"ضلاله في الدين لكانوا بذلك كافرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت