و ذكر بعضهم وجها آخر في معنى الآيتين بإرجاع ضمير"ليعلم"و"لم أخنه"إلى العزيز وهو زوجها فهي كأنها تقول: ذاك الذي حصل أقررت به ليعلم زوجي أني لم أخنه بالفعل فيما كان من خلواتي بيوسف في غيبته عنا ، وأن كل ما وقع أني راودته عن نفسه فاستعصم وامتنع فبقي عرض زوجي مصونا وشرفه محفوظا ، ولئن برئت يوسف من الإثم فما أبرىء منه نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي.
وفيه: أن الكلام لو كان من كلامها وهي تريد أن تطيب به نفس زوجها وتزيل أي ريبة عن قلبه أنتج خلاف المطلوب فإن قولها.
"الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين"إنما يفيد العلم بأنها راودته عن نفسه ، وأما شهادتها أنه امتنع ولم يطعها فيما أمرته به فهي شهادة لنفسها لا عليها ، وكان من الممكن أنها إنما شهدت له لتطيب نفس زوجها وتزيل ما عنده من الشك والريب فاعترافها وشهادتها لا توجب في نفسها علم العزيز أنها لم تخنه بالغيب.
مضافا إلى أن قوله:"و ما أبرىء نفسي"إلخ يكون حينئذ تكرارا لمعنى قولها:"أنا راودته عن نفسه"وظاهر السياق خلافه.
على أن بعض الاعتراضات الواردة على الوجه السابق وارد عليه.
قوله تعالى:"و قال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين"يقال: استخلصه أي جعله خالصا ، والمكين صاحب المكانة والمنزلة ، وفي قوله:"فلما كلمه"حذف للإيجاز والتقدير: فلما أتي به إليه وكلمه قال إنك اليوم"إلخ"وفي تقييد الحكم باليوم إشارة إلى التعليل ، والمعنى أنك اليوم وقد ظهر من مكارم أخلاقك في التجنب عن السوء والفحشاء والخيانة والظلم ، والصبر على كل مكروه وصغار في سبيل طهارة نفسك ، واختصاصك بتأييد من ربك غيبي وعلم بالأحاديث والرأي والحزم والحكمة والعقل لدينا ذو مكانة وأمانة ، وقد أطلق قوله:"مكين أمين"فأفاد بذلك عموم الحكم.
والمعنى: وقال الملك ائتوني بيوسف أجعله خالصا لنفسي وخاصة لي فلما أتي به إليه وكلمه قال له إنك اليوم وقد ظهر من كمالك ما ظهر لدينا ذو مكانة مطلقة وأمانة مطلقة يمكنك من كل ما تريد ويأتمنك على جميع شئون الملك وفي ذلك حكم صدارته.
قوله تعالى:"قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم"لما عهد الملك ليوسف أنك اليوم لدينا مكين أمين وأطلق القول سأله يوسف (عليه السلام) أن ينصبه على خزائن الأرض ويفوض إليه أمرها ، والمراد بالأرض أرض مصر.
ولم يسأله ما سأل إلا ليتقلد بنفسه إدارة أمر الميرة وأرزاق الناس فيجمعها ويدخرها للسنين السبع الشداد التي سيستقبل الناس وتنزل عليهم جدبها ومجاعتها ويقوم بنفسه لقسمة الأرزاق بين الناس وإعطاء كل منهم ما يستحقه من الميرة من غيره حيف.
وقد علل سؤاله ذلك بقوله:"إني حفيظ عليم"فإن هاتين الصفتين هما اللازم وجودهما فيمن يتصدى مقاما هو سائله ولا غنى عنهما له ، وقد أجيب إلى ما سأل واشتغل بما كان يريده كل ذلك معلوم من سياق الآيات وما يتلوها.
قوله تعالى:"و كذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين"التمكين هو الإقدار والتبوء أخذ المكان.
والإشارة بقوله:"كذلك"إلى ما ساقه من القصة بما انتهى إلى نيله (عليه السلام) عزة مصر ، وهو حديث السجن وقد كانت امرأة العزيز هددته بالصغار بالسجن فجعله الله سببا للعزة ، وعلى هذا النمط كان يجري أمره (عليه السلام) أكرمه أبوه فحسده إخوته فكادوا به بإلقائه في غيابة الجب وبيعه من السيارة ليذلوه فأكرم الله مثواه في بيت العزيز ، وكادت به امرأة العزيز ونسوة مصر ليوردنه مورد الفجور فأبان الله عصمته ثم كادت به بالسجن لصغاره فتسبب الله بذلك لعزته.
وللإشارة إلى أمر السجن وحبسه وسلبه حرية الاختلاط والعشرة ، قال تعالى:"و كذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء"أي رفعنا عنه حرج السجن الذي سلب منه إطلاق الإرادة فصار مطلق المشية له أن يتبوأ في أي بقعة يشاء فهذا الكلام بوجه يحاذي قوله تعالى السابق فيه حين دخل بيت العزيز ووصاه امرأته:"و كذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره".