و قوله:"أي لا أكذب عليه الآن كما كذبت عليه من قبل"ظاهر في أخذ قوله:"ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب"إلى آخر الآيتين من كلام امرأة العزيز وقد عرفت الكلام عليه في البيان المتقدم.
وفي الدر المنثور ، أخرج الفاريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : عجبت لصبر أخي يوسف وكرمه والله يغفر له حيث أرسل إليه ليستفتي في الرؤيا وإن كنت أنا لم أفعل حتى أخرج ، وعجبت من صبره وكرمه والله يغفر له أتي ليخرج فلم يخرج حتى أخبرهم بعذره ولو كنت أنا لبادرت الباب ولكنه أحب أن يكون له العذر.
أقول: وقد روي هذا المعنى بطرق أخرى ومن طرق أهل البيت (عليهم السلام) ما في تفسير العياشي عن أبان عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لو كنت بمنزلة يوسف حين أرسل إليه الملك يسأله عنه رؤياه ما حدثته حتى أشترط عليه أن يخرجني من السجن وعجبت لصبره عن شأن امرأة الملك حتى أظهر الله عذره.
أقول: وهذا النبوي لا يخلو من شيء فإن فيه أحد المحذورين إما الطعن في حسن تدبير يوسف (عليه السلام) وتوصله إلى الخروج من السجن وقد أحسن التدبير في ذلك فلم يكن يريد مجرد الخروج منه ولا هم لامرأة العزيز ونسوة مصر إلا في مراودته عن نفسه وإلجائه إلى موافقة هواهن وهو القائل: رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ، وإنما كان يريد الخروج في جو يظهر فيه براءته وتيأس منه امرأة العزيز والنسوة ، ويوضع في موضع يليق به من المكانة والمنزلة.
ولذا أنبأ وهو في السجن أولا: بما هو وظيفة الملك الواجبة إثر رؤياه من جمع الأرزاق العامة وادخارها فتوصل به إلى قول الملك"ائتوني به"ثم لما أمر بإخراجه أبى إلا أن يحكم بينه وبين النسوة حكما بالقسط فتوصل به إلى قوله:"ائتوني به أستخلصه لنفسي"وهذا أحسن تدبير يتصور لما كان يبتغيه من العزة في مصر وبسط العدل والإحسان في الأرض.
مضافا إلى ما ظهر للملك وملئه في خلال هذه الأحوال من عظيم صبره وعزمه في الأمور وتحمله الأذى في جنب الحق وعلمه الغزير وحكمه القويم.
وإما الطعن في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحاشاه أن يقول: إنه لو كان مكان يوسف طاش ولم يصبر مع الاعتراف بأن الحق كان معه في صبره ، وهو اعتراف بأن من شأنه أن لا يصبر فيما يجب الصبر فيه ، وحاشاه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأمر الناس بشيء وينسى نفسه ، وقد صبر وتحمل الأذى في جنب الله قبل الهجرة وبعدها من الناس حتى أثنى الله عليه بمثل قوله:"و إنك لعلى خلق عظيم".
وفي الدر المنثور ، أيضا أخرج الحاكم في تاريخه وابن مردويه والديلمي عن أنس قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ هذه الآية:"ذلك ليعلم - أني لم أخنه بالغيب"قال: لما قالها يوسف قال له جبريل: يا يوسف اذكر همك. قال: وما أبرىء نفسي.
أقول: وهذا المعنى مروي في عدة روايات بألفاظ متقاربة ففي رواية ابن عباس: لما قالها يوسف"فغمزه جبريل فقال: ولا حين هممت بها؟"وفي رواية عن حكيم بن جابر:"فقال له جبريل: ولا حين حللت السراويل؟"ونحو من ذلك في روايات أخر عن مجاهد وقتادة وعكرمة والضحاك وابن زيد والسدي والحسن وابن جريح وأبي صالح وغيرهم.
وقد تقدم في البيان السابق أن هذه وأمثالها من موضوعات الأخبار مخالفة لنص الكتاب ، وحاشا مقام يوسف الصديق (عليه السلام) أن يكذب بقوله:"لم أخنه بالغيب ثم يصلح ما أفسده بغمز من جبريل."
قال في الكشاف ،: ولقد لفقت المبطلة روايات مصنوعة فزعموا أن يوسف حين قال: إني لم أخنه بالغيب قال له جبريل: ولا حين هممت بها؟ وقالت له امرأة العزيز: ولا حين حللت تكة سراويلك يا يوسف؟ وذلك لتهالكهم على بهت الله ورسوله.
انتهى.
وفي تفسير العياشي ، عن سماعة قال: سألته عن قول الله:"ارجع إلى ربك"الآية يعني العزيز.