فهرس الكتاب

الصفحة 2347 من 4314

لكن السياق يدل على أن الإشراك ليس بذاك العموم الذي يتراءى من لفظ"من اتبعني"فإن السبيل التي تعرفها الآية هي الدعوة عن بصيرة ويقين إلى إيمان محض وتوحيد خالص وإنما يشاركه (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها من كان مخلصا لله في دينه عالما بمقام ربه ذا بصيرة ويقين وليس كل من صدق عليه أنه اتبعه على هذا النعت ، ولا أن الاستواء على هذا المستوي مبذول لكل مؤمن حتى الذين عدهم الله سبحانه في الآية السابقة من المشركين وذمهم بأنهم غافلون عن ربهم آمنون من مكره معرضون عن آياته ، وكيف يدعو إلى الله من كان غافلا عنه آمنا من مكره معرضا عن آياته وذكره؟ وقد وصف الله في آيات كثيرة أصحاب هذه النعوت بالضلال والعمى والخسران ولا تجتمع هذه الخصال بالهداية والإرشاد البتة.

قوله تعالى:"و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى"إلى آخر الآية ، لما ذكر سبحانه حال الناس في الإيمان به ثم حال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في دعوته إياهم عن رسالة إلهية من غير أن يسألهم فيها أجرا أو يجر لنفسه نفعا بين أن ذلك ليس ببدع من الأمر بل مما جرت عليه السنة الإلهية في الدعوة الدينية فلم يكن الرسل الماضون ملائكة وإنما بعثوا من بين هؤلاء الناس وكانوا رجالا من أهل القرى يخالطون الناس ويعرفون عندهم أوحى الله إليهم وأرسلهم نحوهم يدعونهم إليه كما أن النبي كذلك ، ومن الممكن أن يسير هؤلاء المدعوون في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم فبلادهم الخربة ومساكنهم الخالية تفصح عما آل إليه أمرهم ، وتنبىء عن عاقبة كفرهم وجحودهم وتكذيبهم لآيات الله.

فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يدعوهم إلا كما كان يدعوهم الأنبياء من قبله ، وليس يدعوهم إلا إلى ما فيه خيرهم وصلاح حالهم وهو أن يتقوا الله فيفلحوا ويفوزوا بسعادة خالدة ونعيم مقيم في دار باقية ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أ فلا تعقلون.

فقوله:"و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى"تطبيق لدعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على دعوة من قبله من الرسل.

ولعل توصيفهم بأنهم كانوا من أهل القرى للدلالة على أنهم كانوا من أنفسهم يعيشون بينهم ومعروفين عندهم بالمعاشرة والمخالطة ولم يكونوا ملائكة ولا من غير أنفسهم ، ويؤيد ذلك توصيفهم بأنهم كانوا رجالا فإن الرجال كانوا أقرب إلى المعرفة من النساء ذوات الخدر.

وقوله:"أ فلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم"إنذار لأمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمثل ما أنذر به الأمم الخالية فلم يسمعوا فذاقوا وبال أمرهم.

وقوله:"و لدار الآخرة خير للذين اتقوا أ فلا تعقلون"بيان النصح وأن ما يدعون إليه وهو التقوى ليس وراءه إلا ما فيه كل خيرهم وجماع سعادتهم.

قوله تعالى:"حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا"إلى آخر الآية ذكروا أن يأس واستيئس بمعنى ، ولا يبعد أن يقال: إن الاستيئاس هو الاقتراب من اليأس بظهور آثاره لمكان هيئة الاستفعال وهو مما يعد يأسا عرفا وليس باليأس القاطع حقيقة.

وقوله:"حتى إذا استيئس"إلخ متعلق الغاية بما يتحصل من الآية السابقة والمعنى تلك الرسل الذين كانوا رجالا أمثالك من أهل القرى وتلك قراهم البائدة دعوهم فلم يستجيبوا وأنذروهم بعذاب الله فلم ينتهوا حتى إذا استيئس الرسل من إيمان أولئك الناس ، وظن الناس أن الرسل قد كذبوا أي أخبروا بالعذاب كذبا جاء نصرنا فنجيء بذلك من نشاء وهم المؤمنون ولا يرد بأسنا أي شدتنا عن القوم المجرمين.

أما استيئس الرسل من إيمان قومهم فكما أخبر في قصة نوح:"و أوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن": هود: 36"و قال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا": نوح: 27 ويوجد نظيره في قصص هود وصالح وشعيب وموسى وعيسى (عليهما السلام) .

وأما ظن أممهم أنهم قد كذبوا فكما أخبر عنه في قصة نوح من قولهم:"بل نظنكم كاذبين": هود: 27 ، وكذا في قصة هود وصالح وقوله:"فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا": أسرى 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت