على أن التأمل فيما تقدم في معنى هذه الشهادة وأن المراد به تصديق القرآن لرسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يعطي أن وضع لفظة الجلالة في هذا الموضع لا للتلميح إلى معناه الوصفي بل لإسناده الشهادة إلى الذات المقدسة المستجمعة لجميع صفات الكمال لأن شهادته أكبر الشهادات قال سبحانه:"قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم".
وذكر آخرون: أن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل أو خصوص التوراة والمعنى وكفى بعلماء الكتاب شهداء بيني وبينكم لأنهم يعلمون بما بشر الله به الأنبياء في ويقرءون نعتي في الكتاب.
وفيه أن الذي أخذ في الآية هو الشهادة دون مجرد العلم ، والسورة مكية ولم يؤمن أحد من علماء أهل الكتاب يومئذ كما قيل ولا شهد للرسالة بشيء فلا معنى للاحتجاج بالاستناد إلى شهادة لم يقم بها أحد بعد.
وقيل: المراد القوم الذين أسلموا من علماء أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وتميم الداري والجارود وسلمان الفارسي ، وقيل هو عبد الله بن سلام ، ورد بأن السورة مكية وهؤلاء إنما أسلموا بالمدينة.
وللقائلين بأنه عبد الله بن سلام جهد بليغ في الدفاع عنه فقال بعضهم: إن مكية السورة لا تنافي كون بعض آياتها مدنية فلم لا يجوز أن تكون هذه الآية مدنية مع كون السورة مكية.
وفيه أولا: أن مجرد الجواز لا يثبت ذلك ما لم يكن هناك نقل صحيح قابل للتعويل عليه.
على أن الجمهور نصوا على أنها مكية كما نقل عن البحر.
وثانيا: أن ذلك إنما هو في بعض الآيات الموضوعة في خلال آيات السور النازلة وأما في مثل هذه الآية التي هي ختام ناظرة إلى ما افتتحت به السورة فلا إذ لا معنى لإرجاء بعض الكلام المرتبط الأجزاء إلى أمد غير محدود.
وقال بعضهم: إن كون الآية مكية لا ينافي أن يكون الكلام إخبارا عما سيشهد به.
وفيه أن ذلك يوجب رداءة الحجة وسقوطها فأي معنى لأن يحتج على قوم يقولون:"لست مرسلا"فيقال: صدقوا به اليوم لأن بعض علماء أهل الكتاب سوف يشهدون به.
وقال بعضهم: إن هذه الشهادة شهادة تحمل لا يستلزم إيمان الشهيد حين الشهادة فيجوز أن تكون الآية مكية والمراد بها عبد الله بن سلام أو غيره من علماء اليهود والنصارى وإن لم يؤمنوا حين نزول الآية.
وفيه أن المعنى حينئذ يعود إلى الاحتجاج بعلم علماء أهل الكتاب وإن لم يعترفوا به ولم يؤمنوا ، ولو كان كذلك لكان المتعين أن يستشهد بعلم الذين كفروا أنفسهم فإن الحجة كانت قد تمت عليهم بكون القرآن كلام الله ولا يكون ذلك إلا عن علمهم به فما الموجب للعدول عنهم إلى غيرهم وهم مشتركون في الكفر بالرسالة ونفيها على أنه تقدم أن الشهادة في الآية ليست إلا شهادة أداء دون التحمل.
وقال بعضهم: - وهو ابن تيمية وقد أغرب - أن الآية مدنية بالاتفاق.
وهو كما ترى.
وذكر بعضهم: أن المراد بالكتاب القرآن الكريم ، والمعنى أن من تحمل هذا الكتاب وتحقق بعلمه واختص به فإنه يشهد على أنه من عند الله وأني مرسل به فيعود مختتم السورة إلى مفتتحها من قوله:"تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون"وينعطف آخرها على أولها وعلى ما في أواسطها من قوله:"أ فمن يعلم أن ما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب".
وهذا في الحقيقة انتصار وتأييد منه تعالى لكتابه قبال ما أزرى به واستهانه الذين كفروا حيث قالوا:"لو لا أنزل عليه آية من ربه"مرة بعد مرة و"لست مرسلا"فلم يعبئوا بأمره ولم يبالوا به وأجاب الله عن قولهم مرة بعد مرة ولم يتعرض لأمر القرآن ولم يذكر أنه أعظم آية للرسالة وكان من الواجب ذلك فقوله:"قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب"استيفاء لهذا الغرض الواجب الذي لا يتم البيان دونه وهذا من أحسن الشواهد على ما تقدم أن الآية كسائر السورة مكية.