و أما من أرسل إلى أزيد من أمة وهم أولوا العزم من الرسل فمن الدليل على أنهم كانوا يدعون أقواما من غير أهل لسانهم ما حكاه الله من دعوة إبراهيم (عليه السلام) عرب الحجاز إلى الحج ، ودعوة موسى (عليه السلام) فرعون وقومه إلى الإيمان وعموم دعوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد اشتمل القرآن على دعوة اليهود والنصارى وغيرهم وقبول إيمان من آمن منهم بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكذا ما يستفاد من عموم دعوة نوح (عليه السلام) .
وعلى هذا فالمراد بقوله:"و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم"و- الله أعلم - أن الله لم يبن إرسال الرسل والدعوة الدينية على أساس معجز خارق للعادة الجارية ولا فوض إلى رسله من الأمر شيئا بل أرسلهم باللسان العادي الذي كانوا يكالمون قومهم ويحاورونهم به ليبينوا لهم مقاصد الوحي فليس لهم إلا البيان ، وأما ما وراء ذلك من الهداية والإضلال فإلى الله سبحانه لا يشاركه في ذلك رسول ولا غيره.
فتعود الآية كالبيان والإيضاح لقوله تعالى قبل:"كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم"وإن معنى إخراجك الناس من الظلمات إلى النور أن تبين لهم ما أنزل الله لا أزيد من ذلك فيكون في معنى قوله:"و أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم": النحل: 44.
وأما قوله:"فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء"فإشارة إلى ما أومأنا إليه أن أمر الهدى والضلال إلى الله لا يتحقق شيء منهما إلا عن مشية منه تعالى غير أنه سبحانه أخبرنا أن هذه المشية منه ليست جزافية غير منتظمة بل لها نظم ثابت فمن اتبع الحق ولم يعانده هداه الله ، ومن جاحده واتبع هواه أضله الله فهو إضلال مجازاة غير الإضلال الابتدائي المذموم.
وقد قدم سبحانه الإضلال على الهداية إذ قال:"فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء"لأن ذلك أحوج إلى البيان بالنظر إلى أن الكلام مبني على عزته المطلقة فكان من الواجب أن يبين أن ضلال من يضل عن السبيل كهدى من اهتدى إليها إنما هو بمشية منه تعالى ولم يغلب في إرادته ولم يزاحم في ملكه حتى لا يخيل إلى كل مغفل من الناس أن الله يصف نفسه بالعزة المطلقة وأنه غالب غير مغلوب وقاهر غير مقهور ثم يدعو الناس فلا يستجيبون دعوته ويأمرهم وينهاهم فيعصون ولا يطيعون وهل هذا إلا غلبة منهم وقهر وهو مغلوب مقهور؟.
فكأنه تعالى أجاب عن ذلك بأن معنى دعوته تعالى أن يرسل رسولا بلسان قومه فيبين لهم ما يسعدهم مما يشقيهم وأما ضلال من ضل من الناس كهدى من اهتدى منهم فبمشية من الله وإذنه ، وحاشاه أن يقهر في سلطانه أو يتصرف في ملكه أحد بغير إذنه.
فضلال من ضل منهم دليل عزته فضلا أن يكون ناقضا لها كما أن هدى من اهتدى كذلك ، ولذلك ذيل الكلام بقوله:"و هو العزيز الحكيم"فهو سبحانه عزيز لا يغلبه ولا يضره ضلال من ضل منهم ، ولا ينفعه هدى من اهتدى حكيم لا يشاء ما شاء جزافا وعبثا بل عن نظام متقن دائمي.
قوله تعالى:"و لقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور"إلى آخر الآية ، إذ كان الكلام في السورة مبنيا على الإنذار والتذكير بعزة الله سبحانه ناسب أن يذكر إرسال موسى بالآيات لهداية قومه فإن قصة رسالته من أوضح مصاديق ظهور العزة الإلهية من بين الرسل وقد قال تعالى فيه:"و لقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين": المؤمن: 23 ، وقال حاكيا عنه (عليه السلام) :"و أن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين": الدخان: 19.
فوزان الآية أعني قوله:"و لقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور"، من قوله:"كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم"وزان التنظير بداعي التأييد وتطييب النفس كما في قوله:"إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده": النساء ، 16.
وأما ما ذكر بعضهم أن الآية شروع في تفصيل ما أجمل في قوله:"و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم"فبعيد كل البعد.
ونظيره في البعد قول بعضهم: إن المراد بالآيات التي أرسل بها موسى آيات التوراة دون المعجزات التي أرسل (عليه السلام) بها كالثعبان واليد البيضاء وغيرهما.