و ذكر بعضهم أنه داخل في مقول موسى وليس بكلام مبتدإ وعليه فهو معطوف على قوله:"نعمة الله عليكم"والتقدير: اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا إذ تأذن ربكم إلخ ، وفيه أنه لو كان كذلك لكان الأنسب أن يقال: اذكروا إذ أنجاكم فأنعم عليكم وإذ تأذن ربكم إلخ ، لما فيه من رعاية حكم الترتيب.
وقيل: إنه معطوف على قوله:"إذ أنجاكم"والمعنى اذكروا نعمة الله عليكم إذ تأذن ربكم ، فإن هذا التأذن نفسه نعمة لما فيه من الترغيب والترهيب الباعثين إلى نيل خير الدنيا والآخرة.
وفيه أن هذا التأذن ليس إلا نعمة للشاكرين منهم خاصة وأما غيرهم فهو نقمة عليهم وخسارة فنظمه في سلك ما تقدمه من غير تقييد أو استثناء ليس على ما ينبغي.
فالظاهر أنه كلام مبتدأ وقد بين تعالى هذه الحقيقة أعني كون الشكر - الذي حقيقته استعمال النعمة بنحو يذكر إنعام المنعم ويظهر إحسانه ويئول في مورده تعالى إلى الإيمان به والتقوى - موجبا لمزيد النعمة والكفر لشديد العذاب ، في مواضع من كلامه ، وقد حكى عن نوح فيما ناجى ربه ودعا على قومه:"فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين"إلخ: نوح: 12.
ومن لطيف كرمه تعالى اللائح من الآية - كما ذكره بعضهم - اشتمالها على التصريح بالوعد والتعريض في الوعيد حيث قال:"لأزيدنكم"وقال إن عذابي لشديد ولم يقل لأعذبنكم وذلك من دأب الكرام في وعدهم ووعيدهم غالبا.
والآية مطلقة لا دليل على اختصاص ما فيها من الوعد والوعيد بالدنيا ولا بالآخرة ، وتأثير الإيمان والكفر والتقوى والفسق في شئون الحياة الدنيا والآخرة معا معلوم من القرآن.
وقد استدل بالآية على وجوب شكر المنعم ، والحق أن الآية لا تدل على أزيد من أن الكافر على خطر من كفره فإن الله سبحانه لم يصرح بفعلية العذاب على كل كفر إذ قال:"و لئن كفرتم إن عذابي لشديد"ولم يقل: لأعذبنكم.
قوله تعالى:"و قال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد"لما أمر تعالى بشكر نعمه بذكر ما تأذن به من الزيادة على الشكر والعذاب على الكفر على ما تقتضيه العزة المطلقة ذكر في تأييده من كلام موسى (عليه السلام) ما يجري مجرى التنظير فقال:"و قال موسى"والكلام جار على هذا النمط إلى تمام عشر آيات.
وأما أن الله غني وإن كفر من في الأرض جميعا فإنه غني بالذات عن كل شيء فلا ينتفع بشكر ولا يتضرر بكفر ، وإنما يعود النفع والضرر إلى الإنسان فيما أتى به ، وأما أنه حميد فلأن الحمد هو إظهار الحامد بلسانه ما لفعل المحمود من الجمال والحسن وفعله تعالى حسن جميل من كل جهة فهو جميل ظاهر الجمال يمتنع خفاؤه وإخفاؤه ، فهو تعالى محمود سواء حمده حامد باللسان أو لم يحمد.
على أن كل شيء يحمده بتمام وجوده حتى الكافر بنعمته كما قال تعالى:"و إن من شيء إلا يسبح بحمده": الإسراء: 44 ، فهو تعالى محمود سواء حمده الناس بألسنتهم أو لم يحمدوه ، وله كل الحمد سواء قصد به هو أو قصد به غيره.
قوله تعالى:"أ لم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود"إلى آخر الآية.
من كلام موسى (عليه السلام) يذكر قومه من أيام الله في الأمم الماضين ممن فنيت أشخاصهم وخمدت أنفاسهم وعفت آثارهم وانقطعت أخبارهم فلا يعلمهم بحقيقة حالهم تفصيلا إلا الله كقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم.
ومن هنا يعلم أولا: أن المراد بالنبأ ، في قوله:"أ لم يأتكم نبأ الذين من قبلكم"خبر هلاكهم وانقراضهم ، فإن النبأ هو الخبر الذي يعتنى بأمره فلا ينافي ما يتعقبه من قوله:"لا يعلمهم إلا الله".
وثانيا: أن قوله:"قوم نوح وعاد وثمود"، من قبيل ذكر الأمثلة ، وإن قوله:"لا يعلمهم إلا الله"بيان لقوله:"من قبلكم"والمراد بعدم العلم بهم لغير الله الجهل بحقيقة حالهم وعدم الإحاطة بتفاصيل تاريخ حياتهم.
ومن الممكن أن يكون قوله:"لا يعلمهم إلا الله"اعتراضا وإن كان ما ذكرناه أنسب للسياق ، وأما احتمال أن يكون خبرا لقوله:"و الذين من بعدهم"كما ذكره بعضهم فسخافته ظاهرة ، وأسخف منه تجويز بعضهم أن يكون حالا من ضمير من بعدهم وكون قوله:"جاءتهم رسلهم"خبرا لقوله:"و الذين من بعدهم".